لبنان يستعيد دولتَه … حين يلتقي القرارُ بالشجاعة

لبنان يستعيد دولتَه ،.. حين يلتقي القرارُ بالشجاعة.

في لحظات التحوّل الكبرى التي تمرّ بها الأوطان، لا يكفي أن يكون في الدولة رجالُ مناصب، بل لا بدّ أن يكون فيها رجالُ مشروعٍ وطني، يملكون الجرأة على إعادة بناء الدولة، واستعادة هيبتها، وترميم ثقة الناس بمؤسساتهم بعد سنواتٍ من الانهيار والتشتّت والضياع.

واليوم، يبدو أنّ لبنان دخل مرحلةً مختلفة، عنوانها الواضح: استرجاع الدولة اللبنانية، وإعادة تثبيت مفهوم الدولة الواحدة، والقرار الواحد، والسلاح الشرعي الواحد، تحت سقف العيش الواحد واتفاق الطائف والمؤسسات الشرعية.

إنّ ما يقوم به فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ودولة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ليس عملاً سياسياً عابراً، بل محاولة تاريخية جدّية لإخراج لبنان من منطق المحاور والفوضى والازدواجية، إلى منطق الدولة القادرة العادلة، التي تحمي جميع أبنائها دون تمييز، وتفرض سيادتها على كامل أراضيها.

لقد تعب اللبنانيون من الانقسامات، ومن تحوّل وطنهم إلى ساحة رسائل وصراعات، فيما الدولة كانت تغيب شيئًا فشيئًا عن دورها الطبيعي. ومن هنا، فإنّ أي مشروع حقيقي لإنقاذ لبنان لا يمكن أن ينجح إلا عبر تثبيت مبدأٍ بديهي: أن قرار الحرب والسلم هو حقٌّ حصريٌّ للدولة اللبنانية، وأنّ حماية الحدود والأمن الوطني هي مسؤولية المؤسسات الشرعية وفي مقدّمتها الجيش اللبناني والقوى الأمنية.

وهنا، فإنّ دعم الجيش اللبناني ليس موقفًا سياسيًا ظرفيًا، بل واجبٌ وطني وأخلاقي، لأنّ الجيش هو الضمانة الجامعة الأخيرة للبنان الواحد، وهو المؤسسة التي ما زالت تحظى بثقة اللبنانيين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم، وهو السدّ المنيع في وجه الفتنة والانهيار والفوضى.

وفي الوقت نفسه، فإنّ التمسّك ببناء الدولة لا يعني بأي حال من الأحوال التخلّي عن الثوابت الوطنية والقومية، وفي مقدّمتها أنّ العدو الإسرائيلي يبقى عدوًا محتلًا معتديًا، مارس القتل والتدمير والإجرام بحق لبنان وفلسطين والمنطقة، وأنّ رفض الاحتلال والعدوان هو موقف مبدئي ثابت لا مساومة عليه.

لكنّ مواجهة الأخطار لا تكون بإضعاف الدولة، بل بتقويتها، ولا تكون بتفكيك المؤسسات، بل بالالتفاف حولها، ولا تكون بتعدّد المرجعيات العسكرية والأمنية، بل بتعزيز مرجعية الدولة وحدها، لأنّ الأوطان لا تُبنى إلا عبر المؤسسات، ولا تُحمى إلا تحت راية الشرعية.

إنّ المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها لبنان تحتاج إلى وعيٍ وطني عابر للحسابات الضيقة، وإلى شجاعة في مواكبة التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم، بعيدًا عن المكابرة أو الإنكار أو الرهانات الخاسرة.

ومن هنا، فإنّ المسؤولية الوطنية اليوم تقع على عاتق جميع القوى والتيارات والمرجعيات اللبنانية، بأن تلتقي حول مشروع إنقاذ الدولة، وأن تمنح العهد والحكومة فرصة حقيقية للعمل، بعيدًا عن التعطيل والمزايدات والاستنزاف السياسي.

فلبنان لا يحتمل المزيد من الانهيار…
واللبنانيون يستحقّون دولةً تحميهم، لا ساحةً تستهلكهم.

ولعلّ أعظم ما يمكن أن يُقال اليوم:
إنّ هيبة الدولة ليست استهدافًا لأحد، بل حمايةٌ للجميع…
وإنّ قوّة الجيش ليست ضد أحد، بل لأجل لبنان كلّه.

احمد الأمين & عامر صافي