*تركيا وغزة… لماذا يبدو حضورها أقل من حجمها؟*/ د. سفيان قديح – قطاع غزة

في كل مرة تتصاعد فيها المأساة في قطاع غزة، يعود سؤال يتكرر بقوة في الشارع العربي والإسلامي: أين تركيا من كل ما يحدث؟ ولماذا يبدو دورها أقل من حجمها الحقيقي وثقلها السياسي والعسكري؟ هذا السؤال لا ينبع فقط من العاطفة أو التوقعات الشعبية، بل من مقارنة واضحة بين طريقة تحرك أنقرة في ملفات إقليمية عديدة، وبين مستوى حضورها في القضية الفلسطينية، وخاصة في غزة التي تعيش واحدة من أكثر الحروب دموية وقسوة في العصر الحديث.

لقد أثبتت تركيا خلال السنوات الماضية أنها ليست دولة هامشية في المنطقة، بل لاعب إقليمي ودولي يمتلك أدوات تأثير حقيقية. ففي الملف السوري، فتحت أبوابها لملايين اللاجئين السوريين، وقدمت لهم الإقامة والتعليم والعلاج والعمل، بل ومنحت أعدادًا كبيرة منهم الجنسية التركية، وتحولت إلى الحاضنة الأكبر لمعاناتهم الإنسانية والسياسية. ولم يقتصر الدور التركي على الجانب الإنساني فقط، بل امتد إلى التأثير العسكري والسياسي المباشر، حتى أصبحت أنقرة أحد أهم الأطراف الفاعلة في رسم المشهد السوري.

كما لعبت تركيا دورًا حاسمًا في الملف الليبي، حيث تدخلت سياسيًا وعسكريًا بشكل غيّر موازين القوى على الأرض، وساهم في تثبيت الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا آنذاك. وفي الصومال، بنت تركيا حضورًا تنمويًا وعسكريًا واسعًا، وأقامت قواعد عسكرية ومشاريع استراتيجية ضخمة جعلتها من أكثر الدول تأثيرًا هناك. وحتى في الأزمة الخليجية، عندما تعرضت قطر للحصار عام 2017، تحركت أنقرة بسرعة كبيرة، وأرسلت دعمًا عسكريًا واقتصاديًا واضحًا، معتبرة أن أمن قطر جزء من أمنها القومي.

كل هذه الوقائع جعلت الشعوب العربية والإسلامية ترفع سقف توقعاتها تجاه تركيا، خصوصًا في القضية الفلسطينية التي تُعد القضية المركزية للأمة الإسلامية. ولذلك، يشعر كثيرون اليوم أن الموقف التركي تجاه غزة، رغم قوته الإعلامية والسياسية، لا يرقى إلى حجم الإمكانات التي تمتلكها أنقرة، ولا إلى مستوى المأساة التي يعيشها أكثر من مليوني إنسان تحت القصف والحصار والتجويع.

الحقيقة أن تركيا تمتلك بالفعل عناصر قوة تجعلها من أبرز القوى الإقليمية في العالم الإسلامي. فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، وتملك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يربط بين آسيا وأوروبا والبحر الأسود والبحر المتوسط، إضافة إلى اقتصاد كبير وصناعات عسكرية متقدمة، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية. كما أن تركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان قدمت نفسها بوصفها دولة تدافع عن قضايا المسلمين، وكانت فلسطين دائمًا حاضرة بقوة في خطابها السياسي والإعلامي.

وقد شهد العالم مواقف تركية بارزة تجاه غزة، أبرزها حادثة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، حين قُتل متضامنون أتراك أثناء محاولتهم كسر الحصار عن القطاع، إضافة إلى الخطابات الحادة التي وصف فيها أردوغان ما يحدث في غزة بأنه جرائم حرب وإبادة جماعية. كما قدمت تركيا مساعدات إنسانية وإغاثية للفلسطينيين، واستقبلت جرحى ومرضى للعلاج، وسعت دبلوماسيًا إلى الضغط من أجل وقف إطلاق النار.

لكن رغم كل ذلك، يبقى السؤال قائمًا: لماذا لا تستخدم تركيا ثقلها بصورة أكبر وأكثر تأثيرًا؟

الإجابة تكمن في طبيعة النظام الدولي وتعقيدات الملف الفلسطيني نفسه. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع إقليمي، بل ملف يرتبط مباشرة بإسرائيل والولايات المتحدة والتحالفات الغربية الكبرى. وتركيا، رغم قوتها، ليست دولة تتحرك خارج هذه التوازنات، فهي عضو أساسي في حلف الناتو، وترتبط بعلاقات اقتصادية وأمنية واسعة مع الغرب، كما تواجه تحديات إقليمية معقدة في سوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز.

ولهذا، فإن أي تحرك تركي يتجاوز السقف السياسي الحالي قد يعرّضها لضغوط اقتصادية وأمنية كبيرة، وربما يفتح عليها صراعات متعددة لا تريد الانخراط فيها بشكل مباشر. ومن هنا، يبدو أن أنقرة تحاول الموازنة بين خطابها الداعم لغزة وبين حساباتها السياسية والاستراتيجية، وهو ما يجعل كثيرين يشعرون بوجود فجوة بين الخطاب والممارسة.

لكن الشارع العربي والإسلامي لا ينظر إلى غزة فقط من زاوية الحسابات السياسية، بل من زاوية أخلاقية وإنسانية ودينية أيضًا. فالناس يشاهدون صور الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات المدمرة، والمجاعة التي تضرب القطاع، ثم يقارنون ذلك بحجم القوة التركية وإمكاناتها، فيشعرون أن ما يُقدَّم لا يزال أقل من المطلوب.

كما أن لفلسطين مكانة خاصة في الذاكرة العثمانية والتاريخ التركي نفسه، فقد بقيت فلسطين وغزة جزءًا من الدولة العثمانية لأكثر من أربعة قرون، وما تزال آثار ذلك الإرث حاضرة في القدس وغزة ومدن فلسطين المختلفة. ولذلك، فإن كثيرًا من الناس لا ينظرون إلى تركيا كدولة عادية، بل كدولة تمتلك رصيدًا تاريخيًا وأخلاقيًا يجعل مسؤوليتها تجاه غزة أكبر من غيرها.

*وفي النهاية، فإن الحقيقة المؤلمة التي لا يمكن إنكارها هي أن غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى الخطب والتصريحات، بل إلى مواقف عملية حقيقية تساهم في وقف الحرب ورفع الحصار وحماية المدنيين. فالقضية لم تعد مجرد قضية سياسية عابرة، بل اختبار أخلاقي للعالم كله، واختبار أيضًا لكل الدول التي تمتلك القوة والتأثير، وفي مقدمتها تركيا التي ما تزال الشعوب تنتظر منها دورًا أكبر ينسجم مع تاريخها وثقلها ومكانتها في العالم الإسلامي.*