المركز الثقافي الإسلامي _ بيروت /أربعاء أيوب.. حين يغسلُ بحرُ الرملة البيضاء أوجاع البيارتة وتروي “المفتقة” حكاية مدينةٍ صبورة/ زياد سامي عيتاني

أربعاء أيوب..
حين يغسلُ بحرُ الرملة البيضاء أوجاع البيارتة وتروي “المفتقة” حكاية مدينةٍ صبورة

زياد سامي عيتاني
كانت بيروت في تلك الأيام البعيدة قصيدةً خضراء، تتنفس من رئتي الصنوبر وتتوشح بزمرد الجميز والخروب، ويحضنها شاطئ الرملة البيضاء كما تحضن الأم الرؤوم وليدها البكر. في ذلك الزمن، كانت المدينة غريبة عن صخب الأسمنت، طاهرة من ضجيج التلوث، لا يعرف أهلها من التعب إلا عناء الكد الشريف، ولا من الضجيج إلا صدى الضحكات التي تشق عنان السماء. كانت بيروت تحتفل، وكان احتفالها طقساً مقدساً يمتزج فيه الإيمان بالأسطورة، والفقر بالرضا، والجيرة بالحب الذي لا يعرف الحدود.
ومن بين كل لآلئ الذاكرة البيروتية، يلمع “أربعاء أيوب” كأغلى الجواهر؛ تلك المناسبة التي كانت تحول رمال شاطئ الرملة البيضاء، مرة كل عام، إلى مسرح كبير للحياة، حيث يختلط عطر البحر المالح بعبير “المفتقة” الساحر، وتذوب الفوارق الطبقية في سبع موجات من البركة والرجاء.
نيسان.. حين تصبح “الدني عروس”
عندما يطل نيسان برأسه من خلف جبال لبنان، تبدأ بيروت بالتحلل من وقار الشتاء القاسي. لم يكن “أربعاء أيوب” مجرد موعد في التقويم الشعبي، بل كان “شهادة ميلاد” جديدة لكل عام. نيسان في بيروت هو شهر الانبعاث، حيث تغسل الأمطار الأخيرة وجه المدينة، وتفتح الشمس ذراعيها لتدفئ القلوب والأبدان.
في تلك الأجواء، كان البيارتة يرددون بلهجتهم الحنونة: “في نيسان بتصير الدني عروس، وبيخف الغطاء والملبوس”. كانت هذه الكلمات إيذاناً ببدء الاستعداد للرحلة الكبرى. وقد ربط الباحثون بين هذه المناسبة وأعياد الربيع العتيقة، من فصحٍ مجيد وشمّ نسيمٍ ونيروز؛ فكلها روافد في نهرٍ واحد، يصب في خانة الاحتفاء بنعمة الوجود، والتفاؤل بما تخبئه الأرض من خيرات بعد سبات الشتاء الطويل.
•النبي أيوب: فلسفة الصبر والماء
تستمد هذه المناسبة روحها وجوهرها من سيرة النبي أيوب، ذلك الرمز الأزلي للصبر الإنساني. تحكي الذاكرة الشعبية قصة الرجل الصالح الذي ابتلاه الله في كل ما يملك، لكنه بقلبه العامر بالرضا، لم ينحنِ للعاصفة، بل ظل يحمد ربه حتى صار اسمه “أيقونة” ترفع في وجه كل محنة.
وحين أذن الله بالفرج، ضرب أيوب الأرض برجله فانبثقت عين ماء نقية، اغتسل منها وشرب، فإذا بالأوجاع تتبخر. من هنا، قدس البيارتة “الماء” في أربعاء أيوب، فصار الاغتسال في البحر طقساً للتطهر من الأوجاع. فكانوا يغطسون في البحر سبع غطسات متتالية، تيمناً بالرقم سبعة المقدس الذي يرمز للاكتمال والتمام، مرددين بلهجة الواثق: “يلي ما بيغتسل بأربعة أيوب، جسمه بدو يفنى ويذوب”. أما من عجز عن الوصول إلى الشاطئ لمرضٍ أو وهن، فكان يكتفي بغسل وجهه بماء نُقعت فيه “حشيشة أيوب” (عشبة العرعر)، تلك النبتة التي عرفت بسرها الطبي منذ عهد الفراعنة، ووصفها داوود الأنطاكي بأنها تشفي السعال وتشدّ البدن، وكأن الطبيعة تشارك الإنسان في رحلة تعافيه ويقينه.
•خدرج وجمول: منظمتا الاحتفالية
لا تكتمل حكاية “أربعاء أيوب” دون استحضار سيدتين طبعتا ذاكرة المدينة بختم من قوة وعاطفة. في أحياء المصيطبة وزواريبها، كانت “الست خدرج” (عيتاني)، هي الحاكم الفعلي للفرح. امرأة بقلب أسد، مسدسها لا يفارق وسطها، وصوتها الأجش الذي صقله دخان تبغ “التطلي” العريض يملأ الأرجاء وقاراً. كانت “أخت الرجال” التي يقف الكبار إجلالاً لمرورها، تقود العائلات بنظام صارم نحو الشاطئ، وكأنها جنرال يقود جيشاً من السعادة، لا يجرؤ أحد على مخالفة مسار موكبها.
أما في “رأس بيروت” وخندق “ديبو”، فكانت السيادة لـ الحاجة جمول”. كانت هي المهندسة والمشرفة والمصالحة الاجتماعية. صوتها الجهوري كان ينبع من أعماقٍ سحيقة، وحين كانت تصرخ على الصبية المشاغبين الذين تتشابك طياراتهم في السماء: “تعا يا فصعون.. صالح إبن جيرانك عبدون وبوسو”، كان الخصام ينتهي فوراً بقبلة على الرأس. هؤلاء النسوة لم يكنّ مجرد جارات، بل كنّ الضمانة الاجتماعية لبقاء “اللمة” البيروتية متماسكة، يوزعن المهام، ويحرسن الأخلاق، ويفتحن قلوبهن قبل خيامهن للجميع.
•المفتقة.. حلوى نُسجت من الصبر
قبل أسبوع من الأربعاء المنشود، يتحول المطبخ البيروتي إلى خلية نحل. “المفتقة” ليست مجرد صنف من الحلويات، بل هي “طقس عبور” واختبار للمثابرة. الأرز، السكر، طحينة السمسم، والعقدة الصفراء.. مكونات بسيطة لكن تحويلها إلى ذلك المزيج الذهبي يتطلب صبراً “أيوبياً”.
كانت السيدة تقف لساعات طوال، تحرك المزيج بـ”المجحاف” الخشبي دون توقف فوق نار هادئة، ويتصبب العرق من جبينها وهي تصارع القوام الكثيف لكي لا “يلذع” الأرز في قعر القدر. كانت الأمهات يختبرن نضجها بقطرة زيت تطفو على الوجه؛ فإذا بقيت القطرة صافية، عرفن أن الصبر قد أثمر. لا تأخذ المفتقة سرها ولونها الذهبي المتوهج إلا ممن منحها وقته وجهده وقلبه. لذا، كان تقديمها في يوم الاحتفال هو المكافأة الكبرى لكل صابر، وتوزيعها على الجيران هو ميثاق المحبة المتجدد.
•الموكب الفجري.. رحلة “السفر” الداخلي
في فجر ذلك الأربعاء، كانت بيروت لا تنام. على ضوء النجوم الآفلة، تنطلق المواكب من أحياء البسطة، وزقاق البلاط، والمصيطبة، والطريق الجديدة. لم تكن هناك سيارات فارهة، بل خيول وحمير و”طنابر” خشبية زُينت خصيصاً لهذه الرحلة التي كانت تُعتبر “سفراً” إلى أقاصي المدينة.
كانت العائلات تتدافع بمرح فوق الطنابر، تشق طريقها عبر دغلات القصب وحقول الخس والفجل التي تفوح منها رائحة الندى والتراب. كانت الطريق تمر بمنطقة الروشة التي كانت قفراً آنذاك، وسط خوار الأبقار وصياح الديوك وقرقعة عجلات الطنابر على الدروب الوعرة. وعلى جوانبي الطريق، كان بائعو الجميز ينادون بأصواتهم النحاسية: “تمر يا جميز تمر”، والشرطة تراقب المشهد بابتسامة صامتة، فالكل في ذلك اليوم محكوم بقانون الفرح والسكينة.
على رمال الرملة البيضاء: حيث تسكن الروح
حين يصل الموكب إلى الرملة البيضاء، ينفجر الشاطئ حياةً. تُنصب “العرازيل” (بيوت القش) والخيام، وتُفرش الحصر والبسط الملونة، وتغطى الخيام بشراشف بيضاء ناصعة تقي من حرارة الشمس. تبدأ النسوة بترتيب صحون المفتقة، وإشعال طباخ الفخار لتحضير الشاي والقهوة، بينما النراجيل تعبق برائحة “التنباك” البيروتي المنظوم.
تتعالى الدردشات البيروتية العفوية التي توثق أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية، حيث كانت الخيام مسرحاً لتبادل الأخبار والقفشات:
-“دخلك يا فطوم! شو عاملي مع حماتك؟”.. -“وليّ عاقامتها، مرتو للقباقيبي كل خلفتها بنات!”.
-“بحياتك يا نفوس خدي ها البقاب ودقي عامود الخيمة شوي، شكلو ألوأ…”.
ثم تأتي لحظة “الدربكة”. تنقر إحدى السيدات بإيقاع شجي، فتنتطلق الأصوات النسائية الصافية تشق عنان السماء: “على بلد المحبوب وديني”، و”يا حبيبي أنا قلبي معاك.. طول الليل سهران وياك”. تتمايل الأرواح قبل الأجساد على وقع الأمواج، والبحر يصفق بزبده الأبيض لكل هذا الدفء الإنساني النادر.