إضاءة / مساهمة من الموسيقي العربي اللبناني الاستاذ خالد عرنوس

قبل سنوات، باع رجل كندي يُدعى مارسيل لابرون شركته التقنية بأكثر من 300 مليون دولار. توقّع الناس السيناريو المعتاد: قصر زجاجي على بحيرة، يخت أبيض، سيارة لامبورغيني بلون لا اسم له، وحياة تُقاس بعدد الصور على إنستغرام. لكن مارسيل اختار طريقًا آخر، طريقًا لم يخطر ببال أحد.
أخرج من ماله الخاص نحو أربعة ملايين دولار، وتوجّه إلى مدينة فريدريكتون في مقاطعة نيو برونزويك الكندية، وبدأ في بناء شيء نادر في هذا العالم: قرية للكرامة، لا للشفقة. أسّس مشروعًا غير ربحي أسماه: «12 Neighbours – اثنا عشر جارًا».
تتكوّن القرية من نحو ستةٍ وتسعين إلى تسعةٍ وتسعين منزلًا صغيرًا، مخصّصة لأشخاص كانوا يعيشون في الشوارع أو في ملاجئ مؤقتة، لكنها ليست مأوى طوارئ ولا جدرانًا باردة تُسكت الضمير. كل منزل يحتوي على مطبخ كامل، وسرير مريح، وحمّام خاص، وأثاث بسيط وأنيق، وتدفئة ومياه وإنترنت، مع ألواح طاقة شمسية لتقليل تكاليف الكهرباء. الأهم أن هذه البيوت دائمة لا مؤقتة، وأن سكانها يُعاملون كجيران لا كمشكلة اجتماعية.
لم يتوقف مارسيل عند السكن فقط، بل أنشأ في قلب القرية مركزًا للعمل والتدريب يضم مقهى صغيرًا وورشة طباعة حريرية. اليوم يعمل في هذا المكان أناسٌ كانوا بالأمس ينامون على الأرصفة، يصنعون منتجات تُباع في السوق، ويتقاضون رواتب حقيقية، ويستعيدون الإحساس بالقيمة، ويرفعون رؤوسهم من جديد.
لاحقًا، حصل المشروع على دعم حكومي تجاوز اثني عشر مليون دولار لتوسيع التجربة وضمان استدامتها، لكن الشرارة الأولى لم تكن من حكومة ولا منظمة دولية ولا حملة تبرعات، بل كانت من جيب رجل واحد وضمير حي.
يقول مارسيل لابرون عن فلسفته: «لا أريد أن أعطيهم سمكة، ولا حتى أن أعلّمهم الصيد، أريد أن أعطيهم بحيرة يصطادون منها بكرامة طوال حياتهم».
في عالمنا العربي، لدينا أثرياء كُثُر، إلا من رحم ربك، ينفق بعضهم الملايين على سيارة واحدة تكفي لبناء قرية كهذه مرات عدة، أو حفلة عيد ميلاد تستمر ليلة، أو حقيبة يد يعادل ثمنها علاج مئات الأطفال المصابين بالسرطان. ولو أن كل ملياردير عربي تبرّع بواحد في المئة فقط من ثروته لمشروعات حقيقية تحترم الإنسان وتُعيد له الأمل، لما بقي مشرّد في شوارعنا، ولما اضطر طفل لترك مدرسته ليُعيل أسرته، ولما مات مريض لأن الأسرّة مكتملة العدد.
مارسيل لابرون لم ينتظر قرارًا حكوميًا، ولا منحة دولية، ولا تصفيق الإعلام. أخرج المال من جيبه، وبنى جنّته الصغيرة على الأرض، قبل أن ينتظرها في السماء.
وربّ درهمٍ أُنفِق في كرامة إنسان، يزن عند الله أكثر من قناطير من ذهب أُنفِقت في الترف والاستعراض.
السؤال الحقيقي ليس عن مارسيل لابرون، بل عنّا نحن: متى نبني «اثني عشر جارًا» في كل مدينة عربية؟
قصة حقيقية، ومشروع قائم، وفكرة تُحرج عالمًا يملك المال، ويفتقر إلى الشجاعة.