كتب الأستاذ عامر صافي _ رئيس اللجنة المالية لجمعية تجار طرابلس/حسناً فعل مجلسُ المفتين
حسناً فعل مجلسُ المفتين،.
في زمنٍ تشتدّ فيه الأزمات، وتختلط فيه الأصوات، وتضيع فيه البوصلة بين الانفعالات والشعارات، يبرز بيان مجلس المفتين في لبنان ليعيد التأكيد على الثوابت، ويضع النقاط على الحروف، ويقدّم خطابًا وطنيًا جامعًا يجمع بين الحكمة والوضوح، وبين الثبات على المبادئ والوعي بحجم المخاطر.
لقد أحسن مجلس المفتين صنعًا حين انطلق من تشخيصٍ صادقٍ للواقع اللبناني، فنبّه إلى خطورة الانفلات الأخلاقي الذي يهدّد الأسرة والمجتمع، مؤكّدًا أن المعركة على القيم لا تقلّ خطرًا عن المعركة على السيادة. فالمجتمعات لا تُهزم فقط بالسلاح، بل حين تُستهدف أخلاقها وتُفكّك منظومتها القيمية، وهذا ما استدعى دعوة واضحة لأئمة المساجد وخطبائها إلى خطابٍ مسؤول، جامع، يحفظ وحدة الصف ويصون السلم الأهلي وينبذ الفتن بكل أشكالها.
وحسناً فعل المجلس حين أعاد التذكير بأن الدولة هي الملاذ الوحيد، وأن لا خلاص للبنان إلا بالعودة الصادقة إلى كنفها، دولةً واحدةً، سيدةً، قادرةً وعادلة، تمسك وحدها بقرار السلم والحرب، وتبسط سلطتها عبر مؤسساتها الشرعية، وفي مقدّمها الجيش والقوى الأمنية. فهذا الموقف ليس سياسيًا ظرفيًا، بل هو موقف وطني مبدئي، يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة التي بدونها يتحوّل الوطن إلى ساحة، والمجتمع إلى جماعات متنازعة.
كما يُسجَّل لمجلس المفتين موقفه الواضح في مسألة السلاح خارج إطار الدولة، انطلاقًا من حرصه على وحدة القرار الوطني، وعلى عدم تحويل لبنان إلى مقرّ أو ممرّ لزعزعة الاستقرار في محيطه العربي، مع التأكيد على عمق انتمائه العربي، وضرورة معالجة التداعيات الأمنية والسياسية الناتجة عن فلول النظام السوري البائد، بما يحفظ أمن لبنان واستقراره وعلاقاته العربية.
وفي الشقّ السيادي والإنساني، جاء موقف المجلس منسجمًا مع العدالة والحق، حين طالب المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته، وإلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف اعتداءاتها اليومية، وتطبيق القرارات الدولية، ولا سيما القرار 1701. كما دان بوضوح الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، في موقف أخلاقي وإنساني ينسجم مع مبادئ القانون الدولي والضمير الإنساني.
وحسناً فعل مجلس المفتين أيضًا حين وضع حدًا لمحاولات الزجّ بدار الفتوى والمؤسسات الدينية في قضايا إعلامية ملتبسة، مؤكّدًا احترامه للقضاء واستقلاليته، وحرصه على عدم المساس بالشأن اللبناني أو استغلاله في حملات تشويه أو تلفيق، وهو موقف يُحسب له في زمن التسييس والفوضى الإعلامية.
أما تأكيده على دور دار الفتوى كمرجعية وطنية جامعة، حريصة على وحدة اللبنانيين، وعلى العيش المشترك، وعلى الحقوق والحريات، وعلى العدالة والمساواة، فهو تجديدٌ للعهد مع تاريخٍ طويل من الاعتدال والوسطية، ومع دورٍ وطني جامع لم تغب عنه يومًا قضايا الناس، ولا سيما قضية الموقوفين الإسلاميين، والهموم الاقتصادية والمعيشية، وضرورة الإصلاح، وإعادة البناء، واستعادة الأموال المنهوبة، ضمن إطار الدستور واتفاق الطائف والنظام الديمقراطي البرلماني.
إن بيان مجلس المفتين ليس مجرد موقف عابر، بل هو خريطة طريق أخلاقية ووطنية، ورسالة طمأنة للبنانيين بأن هناك من لا يزال يتمسّك بالدولة، وبالوحدة، وبالحق، وبالعقل، في زمن كثر فيه الضجيج وقلّ فيه الرشد.
نعم، حسناً فعل مجلس المفتين، لأنه قال ما يجب أن يُقال، في الوقت الذي يجب أن يُقال فيه، وباللغة التي يحتاجها لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى.
عامر صافي.
رئيس اللجنة المالية لجمعية تجار طرابلس.