كتب الاديب الاستاذ مروان الخطيب/إبراهيم نصر الله وعَنْدَلةُ الإبدَاع
إبراهيم نصر الله وعَنْدَلةُ الإبدَاع
يبقى الإبداعُ مساحةً للتَّألقِ النُّورانيِّ، ومدىً رفيعاً لرسالةٍ تحملُ ترجيعَ الخفقِ، ومضمونَ الفكرِ، وفلسفةَ الرُّوعِ، وابتهاجَ النَّفسِ بالآتي الجميلِ المُرتقبِ، كانسيابِ حبَّاتِ المطرِ في زمانِ التَّمنِّي والتَّصَحُّرِ والاشتهاء!.
وإذا كان الإبداعُ في دلالته العامَّةِ، مجالاً لتوليدِ الذُّهُولِ والشَّدَهِ المصحوبين بالجَذْبِ الآسر، وبالإشرافِ المُشْرِقِ على ما يحملُ النَّبضَ الآدميَّ إلى مَرَاقِي التَّسَامي والإندغامِ في المُبْتَكَرِ المُبْتَدَعِ المَاتع، فإنَّهُ في مجالِ النِّتاجاتِ الأدبيَّةِ، يأخذُ أبعاداً مُؤْنِسَةً للنَّفسِ البشريَّةِ عَبْرَ تلكَ الانسياباتِ التي تُرينا الإبداعَ الأدبيَّ مُتَلَبِّساً في” القدرة على توليد أفكار جديدة وغير مألوفة، واستخدام اللغة بأساليب مبتكرة للتعبير عن الأفكار والمشاعر ببراعة. يتضمن ذلك الابتكار في الأسلوب، والبنية السَّردية، وتكوين الشخصيات، وطرح الموضوعات بطريقة تخلق دهشةً وإعجاباً لدى القارئ، ويمكن أن يعكس هذا الإبداع جوانب من تجارب الأديب ومحيطه”.
وهذه المعاني، والأبعادُ المُتَضَمَّنَةُ في أعمال الشَّاعر والرِّوائي الأديب الفلسطيني إبراهيم نصر الله، نعثر عليها في أعماله الشِّعرية والرِّوائية التي قاربت الأربعينَ نتاجاً، والتي كرَّستْ نبضاتِهَا وَمُتُونَها للقضية الفلسطينية وتاريخها، أضف إلى ذلك تناولها الحالة الإنسانية والاجتماعية والسياسية العربية، وذلك من خلال مزجٍ تزاوجيٍّ بين الواقعيَّة التاريخيةِ والخيال الأدبي. ولا يفوتنا أن نشيرَ إلى أن أديبنا نصر الله، قد تناول في نتاجاته أيضاً ما يتَّصفُ بالنَّظرةِ العميقة وبالشمولية، حيث عالج قضايا الوجود البشريِّ، وسلطة الذَّاكرة وقوَّتها في إعطاء النبض الإنسانيِّ ما يستحقُّهُ، في إطارِ إنجاز حضورهُ المميز بين الخلائق على هذه الأرض.
يقولُ صاحبُنا في( أعراس آمنة)، في سياقِ كلامِهِ على الأسى والألم المصاحبين لسيرةِ أهلِ فلسطين:” كان يلزمنا قلوبٌ أكبرُ، كي تتَّسعَ لكلِّ هذا الأسى”.
وكأنَّه يُوَصِّفُ حالة الجحيم الدُّنيويِّ الذي اكتوى به أهالي هذه المساحة المميزة في شرق المتوسط، والتي كانت مطمع المستعمر الإنكليزيِّ وحلفائه منذ مؤتمر (كامبل بنرمان) مطلعَ القرن العشرين، والذي أسَّسَ بدوره قبل وعد بلفور، لأنْ تكونَ فلسطين وطناً ليهود في سياق المحافظة على المصالح الاستعمارية الغربية في منطقة الشرق الأوسط. وبهذا يكونُ إبراهيم نصر الله صاحبَ خطابٍ تلميحيٍّ مكتنز بشعريَّةٍ عالية، وإن خرج إلينا متمظهراً بلبوسٍ سياسيٍّ اجتماعي!.
وفي ( زمن الخيول البيضاء)، يتحفنا أديبُنا الألمعيُّ بحكمةٍ بالغةٍ إذ يقول:”لا تذهبْ إلى بلد ماؤها طيب، بل اذهبْ إلى بلدٍ قلوبُ أهلها صافية، لا تذهب إلى بلدٍ مُحَصَّنَةٍ بالأسوار، بل اذهب إلى بلد مُحَصَّنَةٍ بالاصدقاء!”.
هنا تحملنا هذه الحكمةُ إلى قراءةٍ عميقةٍ ومستنيرة، في سِيَاقِ النَّظر إلى مضمونِ الأفكارِ العليَّةِ وتَوَلُّدِها. فالمَكانُ قيمتُهً بأهليه، وبالفكرِ الرَّاقي القائمِ في أَروَاعِ وسُلُوكَاتِ ساكنيه، وبالتَّالي نقرأ عُذُوبةَ الماءِ في صفاءِ وعُذُوبةِ الإنسان. وفي الاتجاهِ ذاتِهِ، نرى حَصانَةَ المرءِ وأمانَهُ، لا يتأتيان من مناعةِ وشُموخِ الأسوارِ والمكان، بل إنَّ مجالَ تحقُّقِهِ مرتبطٌ بوجودِ الصَّاحبِ الصَّديقِ الصَّدوق، فَمِثْلُهُ صَمَّامُ الأمان، وبوتقةُ الاطمئنان، والمدى الأرحبُ لراحةِ البال!.
وفي تجلٍّ آخر، يحملنا صاحبُ المواهب المتعددة، إلى قراءةٍ استثنائيةٍ لواقعِ المدامعِ والعَبَرات والحُزن!.
يقول في(أعراس آمنة) :” الدموع ليست هي الحزن، الحزن هو أن تستطيع أن تمنع نفسك من أن تبكي أمام أحد من أجل هذا الأحد”.
المدقق في قراءةِ ذرف الدمع، يرى أنها ظاهرةٌ فيزيولوجيةٌ تستجيبُ لها العضويةُ والكينونةُ في الجِبلةِ الآدمية في حالتي الحزن والفرح.
أما أن تمتلك القدرةَ على حبس الدمع، ومنع النفس من الاسترسال والاستجابة لهذه الظاهرة الطبيعية في البناء الإنساني، فهذا محل فكر ونظر وتحليل.
وينعطف صاحبنا إلى رؤيا غنيةٍ في عمقها، حين يرى حقيقةَ الحزن كامنةً في امتلاك القدرة على حبس انسياب العبراتِ وذرف المدامع، في الوقت الذي تُلحُّ فيه الفطرةُ ميلاً طائعاً لهذه الحاجة العضوية. وهنا يتجلى الحُزنُ إلى عمقٍ فلسفيِّ يحملُ دلالاتٍ بليغةً في تفسير وتبيان المانع لذرف الدمع. وهذا يقود إلى قراءةِ فكريِّةٍ لحاجةٍ جِبِلِّيَّةٍ، وهنا يكمن وجهٌ من وجوه البراعةِ التي يمتلكها نصُّ إبراهيم نصر الله المكتنز والغني في تضمين الحالات الفطرية العادية تجلياتٍ فكرية ومعنوية، تسمو بالفعل الآدمي إلى مصاف الفكر والمفهوم والرؤى!.
وكما تكلم نصر الله على الحزن الحقيقي، ذي التأثير الحارق والكاوي، فإنَّه قد أومأ إلى حقيقةِ السعادةِ وجوهرها، حينَ قال: في ( شرفةالهاوية): “اكتشفتُ أننا نحن الذين نبالغ في سرعتنا، ونحن نركض خلف السعادة، نكتشف أننا تجاوزناها أحياناً، وخلفناها وراءنا، دون أن ننتبه، ولذا فإنَّ مواصلة ركضنا هو في الحقيقة شكلٌ من أشكال العمى!”.
لا شكَّ في أنَّ مفهومَ السَّعادةِ يختلف من شخصٍ لآخر، تبعاً لاختلافِ الفكرِ والمفاهيم بين الأشخاص. ويبقى للسَّعادةِ أثرٌ في النَّفسِ من حيثُ الشًّعور بالأمان والطمأنينة، بصرف النظر عن هذا التباين الفكري والمفهومي. كما أنَّ للسَّعادةِ أثرٌ دلاليٌّ يعطيها كينونتَها الخاصَّةَ حتَّى لو اقرنتْ هذه الدلالة بالوجع والألم الحسيين. مثالُ ذلك، حالُ المُقَاومِ الذي يذوذُ عن حِياضِ بلاده، ولديه مفهومٌ مفاده أنَّ الدفاع عن بلده يستوجبُ التَّضحيةَ والفداء، وإذَّاكَ يكون هذا المقاومُ فريحاً وسعيداً، حتَّى لو كلَّفه هذا الدفاعُ أمام الأعداء بترَ يدهِ أو قدمه، أو التَّأذي بوجهٍ من الوجوه. من هنا نقول بأنَّ السَّعادةَ فكرةٌ مرتبطةٌ بمفهوم المرء عن الكون والحياة، وعلاقتهما بما قبل الحياة وبما بعد الحياة.
كما ويُفهم من مقولةِ أديبنا إبراهيم نصر الله، بأنَّ الاستحصالَ على السَّعادةِ بالمفهوم الحِسِّيِّ المُجَرَّدِ هو أمرٌ مُحال، وقد عبَّر عن ذلك بقوله: “…نكتشف أننا تجاوزناها أحيانا[السعادة]، وخلفناها وراءنا”.، لذا وجبَ علينا أن نعي واقعَ السَّعادةِ مرتَبِطاً بالفكر، وهنا يتحقق لنا على الوجه الذي وعيناهُ، وركنَ في قلوبِنا وأرواعِنا.
وإذا قُدِّرَ لنا التَّعَمُّقَ في قراءةِ فَحوَى السَّعادةِ في الأرض، فلننظرْ أيضاً إلى ما قاله نصرُ الله في(زيتون الشَّوارع )، حيثُ صرَّحَ بلغةِ التَّلميحِ الشِّعريَّةِ البليغةِ ما يُفهمُنا المَسارَ الصَّحيحَ للإنسانِ فوقَ الأرض، من حيثُ أنَّه صاحبُ قضيَّة، ويجب عليه أنْ يناضلَ ويكافحَ في سبيلها، لأنَّ في ذلك السَّعَادَةَ الحقيقةَ المبحوثَ عنها في مناكبِ الأرضِ وشِعابها.
يقول: “هُنالك لَحْظة، يَجِب أن تتوَقّفَ فيها عن الهَرَبْ. لا يُمّكِنْ أن تَرّكُضَ إلى ما لا نِهاية، لا يُمّكِن أن تَبّقى بِلا لِسان إلى الأبد”. وهنا جوهر المعنى الذي نسعى لامتلاكِ ناصيتِهِ وفحواهُ وفلسفته، حيثُ وجبَ عليكَ أن تكونَ صاحبَ قضية، وتعيش المواجهةَ وتبعاتِهَا من أجل انتصارِها وظهورِها، وفي هذا تعيشُ جوهرَ إنسانيَّتِكَ وتَمَيُّزَكَ عن سائرِ الخلائق!.
وهذه الأبعاد، تجعلُ منكَ مبدعاً، ومثقَّفاً ذا حضورٍ عملانيٍّ راسخٍ وفاعل، في تبنِّي مصالحِ أهلكَ وناسِكَ وقضيَّتِك، على الصُّورة التي عليها أديبنا إبراهيم نصر الله، الذي لم يَحْنِ حَرْفَهُ، ولمْ يَلْوِ كلمتَهُ للتَّزَلُّفِ والنَّفَاق، وإنَّما عاشَ جوهرَ ما كتبَ له، ومن أجله على الصُّورةِ والمضمونِ الذي أشارَ إليه ذات يوم رئيسُ تحرير جريدة(العربي الجديد ) معن البيَّاري القائلُ في صاحبنا: “ظلّ إبراهيم نصر الله مثقّفاً فلـسطينياً مستقلّاً، لم يمالئ سلطةً هنا أو هناك، ولم يتزلّف إلى أي مؤسّسةٍ من أيِّ نوع”.
وعليه التزمَ المبدعُ المتميِّزُ، صاحبُ الملحمة الهادرة( زمن الخيول البيضاء )، بالكلمة التي تعبقُ بالكفاح والنضال، وترتجُّ رُحاقاً وخِتاماً، يضوعُ مسكاً إبداعيَّاً لا يُجارَى في نبلِهِ وأصالتِه، حتَّى غدا ناموساً في مواجهة ثقافة الاستعمارِ وأطرافه وأدواته. وقد عبَّر عن ذلك محمد ناصر الدين في محلق جريدة “الأخبار” اللبنانية( كلمات)، في العدد 5626 الصَّادر يوم السبت الواقع فيه 25/10/2025م بقولِهِ: “ليستْ ملحمة إبراهيم نصر الله[ زمن الخيول البيضاء ]ابتداعاً للأساطير على غرار إلياذة هوميروس…، هي روايةُ كل من امتشقوا خيولهم وبنادقهم ليدافعوا عن أرضهم أمام المشروع الاستعماري الأشرس والأخطر، ملحمة رغم شعريَّتِها العالية أسهمتْ في إنتاج المعرفة والحقيقة التي ستجعل من فلسطين في كل لحظة أداةً لاختبار ضمير العالم “.
وبعد كلِّ ما قلناه في إبراهيم نصر الله، واحتِنا الأدبيَّةِ الظَّليلةِ، والعامرةِ بالإبداعِ الرَّفيعِ والالتزامِ الحَصين، فإنَّ نيلَهَ لوسامٍ تكرميِّ من هنا، ولجائزةٍ عالميَّةٍ من هناك، يبقى قليلاً على هامةٍ، لمْ تحنِ شُمُوخَها إلَّا أمامَ فلسطينَ التي ستكسرُ قيدَها ذاتَ نهار، وتعودُ عليَّةً ذاتَ انتصار…!.
مَروان مُحمَّد الخطيب
28/10/2025م