كتب الاديب َََ الاستاذ مروان الخطيب/”دموعٌ على عَتَبَاتِ الفَجر” لِ عماد العيسى: سَرديَّةُ النَّشيدِ لأَبجديَّةِ الانتصار
“دموعٌ على عَتَبَاتِ الفَجر” لِ عماد العيسى: سَرديَّةُ النَّشيدِ لأَبجديَّةِ الانتصار…!
أن تكونَ أديباً، شاعراً، قاصَّاً، روائيَّاً، مسرحيَّاً، وسارداً لأَثرِ الخَفْقِ والكفاحِ مُنْدَغِمَينِ في نياطِ القلبِ وعلى أرضِ الواقعِ كأثرِ الفراشةِ في النَّبضِ والمُشتهى…، معنى ذلك أنْ تكونَ عَتَبَةً مُشرَعَةً على نشيدِ الشَّمسِ في زمنِ العَتمةِ وحُلكةِ الظَّلام!.
وأنْ تكونَ ذا اختصاصٍ في التَّخديرِ والإنعاش، وإعلاميَّاً وأديباً، فمعنى ذلك انفتاحُكَ على لغةِ الحُلُمِ والشِّفاءِ والبُرءِ، تُعَانقُ لُغةَ التَّقريرِ والقَراءةِ المَوْضُوعيَّةِ التي تَحُوكُ قميصَ السِّترِ والعافيةِ، بمهارةِ النُّقباءِ وعفَّةِ الأنقياءِ وطهارةِ الأولياء…!.
أمَّا لماذا استرجاعُكَ الذَّاكريُّ لِ “رجالٌ في الشَّمس”، روايةِ غسَّان كنفاني الأولى التي صدرتْ في العام 1963م، ولِ ” آهٍ يا بيروت”، مُؤلَّفِ رشاد أبو شاور المُدَوِّنِ خواطرَه ويوميَّاتِه في حصارِ مدينةِ بيروت سنة 1982م وأنتَ تقرأ ” دموعٌ على عَتَبَاتِ الفجر”…أَلأَنَّكَ مُشْرِفٌ في مُتُونِ الأعمالِ الأدبيَّةِ المذكورةِ على رابطٍ مشتركٍ بينَ وجعِ اللَّاجئ في أثرِ كنفاني، وإرادةِ المُقاوِم والصَّامد في سِفر أبي شاور، وهِمَّةِ وصبرِ الفينيقِ الغزَّاويِّ وهو يواجهُ آلةَ ومجازرَ التَّوحُّشِ والدَّمارِ التي يمارسُها الصَّهاينةُ المجرمون في غزةَ قتلاً وتخريباً وتجويعا، كما أظهرَ وأبانَ عمادُنا في سِفرهِ النَّبُوضِ بالوجعِ والصَّبرِ والأملِ بالانتصار!.
ولأنَّ الأدبَ المُلتزمَ ذو قضيَّةٍ رفيعةِ الشَّأن والمقام، ولأنَّهٌ مُكْتَنَفٌ بجماليَّةِ الصِّدقِ في المبتدأ والمنتهى المَوسُومِ بغايةِ التَّشاركيَّةِ الحَميمةِ مع المتلقي، ولأنَّهُ أيضاً مَسَارٌ رفيعٌ إلى إثباتِ وتكريسِ وجود الذَّاتِ الجمعيَّةِ وجوداً فاعلاً ومعلولياً في مراقي الغايةِ والهدفِ والنَّشيد، نرى أديبنا عماد، يكثرُ في سرديَّتِهِ من التَّأكيدِ على المنظومةِ القيميَّة القائمةِ على مصاحبة الصَّبرِ في طريقِ الصُّعُودِ إلى الفجرِ والانتصار. وهذا يؤكِّدُ أيضاً على المعاني التي أتى عليها وذكرها الأديب والرِّوائي إبراهيم نصر الله في صحيفة( القدس العربي) يوم الثامن عشر من حزيران للعام الجاري 2025م، في مقالةٍ تحت عنوان ” المقاومة بالجمال أيضا”، حيثُ قال: “وأظن أنَّ الكتابةَ في الحالةِ الفلسطينيةِ هي فعلُ وجود؛ فالفلسطينيُّ يكتبُ ليقولَ أيضاً إنه هنا، حيٌّ، وقادرٌ على إعطاءِ البشريَّة شيئاً جميلاً، ولذلك هي جزءٌ من وجودِ شعبِهِ، ولعلَّ جُملةَ الصهيونيَّة غولدا مائير تدلُّ على أيِّ حدّ ترعبُهم الكتابةُ، فقدْ قالتْ ذاتَ يوم: «لو كان الفلسطينيون شعباً لكان لهم أدب!». الآن، لا يستطيع أيُّ زعيم صهيونيٍّ أن يقول بأن الفلسطينيين ليس لهم أدب، وكلَّما أثبتَ الفلسطينيُّ أنَّ له أدباً كبيراً، وفناً كبيراً، أثبتَ بأنَّه شعبٌ لا يمكنُ أن يتجاهلَهُ أحد”.
وفي السِّياقِ نفسِهِ يؤكِّدُ لنا صاحبُ” دُمُوعٌ على عَتَبَاتِ الفجر”، بأنَّ لسرديَّتِهِ هذه وظيفةً عاليةَ الشَّأن، حيثُ وُلدتْ في زمن المَخاضِ والطُّوفانِ لترسمَ حضورَها فاعلاً في السِّياقِ الأدبيِّ الاجتماعيِّ عَبرَ تحقيقِ القيمةِ التَّفسيريَّةِ الكاشفةِ للحقائق في أتون الصِّراع، وتحقيق القيمة التَّواصليَّة التي أرادها السَّاردُ من المسرود له، وذلك عَبْرَ رفعِ المُستوى الفكريِّ والسياسيِّ في قراءة الحدث، وأعطائه كلّ الأبعاد المتعلقة به، وصولاً إلى إبراز حالة الوعي الجمعيِّ في أعلى مستوياته، حفاظاً على القضية وأهليها من الغُبنِ والضَّياع!.
وكما قال الدكتور النَّاقدُ فيصل درَّاج في مجلة(أدب ونقد ) العدد431/ حزيران 2024 عن رواية ليانة بدر ( أرضُ السُّلحفاة) مُؤكِّداً أنَّ ليانة قد أيقظتْ في روايتها ذاكرةً طويلةَ العُمُر، ومثبِّتاً بأنَّها قد”أنجزتْ نصَّاً مُدهِشاً عن تداخل الذَّاكرة والمقاومة ولغةِ الإحساسِ وخفقاتِ الرُّوح، بعيداً عن البلاغةِ المدرسيَّةِ والتَّرصُّنِ الرَّسمي واللُّغةِ المتكَلِّسة”.، ولأَنَّ الشَّيءَ بالشَّيءِ يُذكرُ، فالقارئ عماد العيسى في سريَّتِهِ سيقفُ عندَ اندغامِ الذَّاكرةِ بالفعلِ المُقاوم، مقدِّمةً لِصِياغةِ ثقافةِ التَّحررِ والظَّفرِ والانتصار، تلك الثَّقافة التي يُعشِّشُ فيها الحُلُمُ مَدَىً مفتوحاً على الآتي الجميلِ الشَّاهقِ بناءً ونوراً بعدَ القهرِ والدَّمارِ والرَّماد. بل إنَّ عماد ليضعُنا أمام جدليَّةِ الموتِ والحياة في قراءة الصِّراعِ مع هذا المحتلِّ الغاشم، فتبرزُ لنا الحياةُ طافحةً بالبقاءِ والدَّيمومةِ في ظلِّ التَّمسكِ بالحقِّ والكفاحِ لاستعادتِه، وأكثر من ذلك، يؤكِّدُ على امتلاكِ هُويَّةِ الحُلُمِ بالنَّماءِ الصَّاهلِ والظَّافر، وهنا يشيرُ صاحبُنا في الفصل الثَّامن عشر على لسان أحد أبطالِ سرديَّتهِ خالد القائل: “أكتبُ كي لا أموت!”، إشارةً بليغةً على أهميَّةِ فعل الكتابةِ في السِّياقِ الفكريِّ والإبداعيِّ، لأنَّ الكتابةَ في هذا التَّجلِّي إخصابٌ وولادة، وفعلٌ مضادٌ للموتِ والفناء. وهذا بيانٌ آخرُ مُرادِفٌ لفعلِ المقاومة، بل هو سنيدٌ لها للبقاء والاستمرار الصَّاعدين في مراقي الحياة والأمان.
ويلفتُ قارئ(دموعٌ على عتباتِ الفجر)، تذكيرُ كاتبها ومبدعها بِفلسفةٍ دلاليَّةٍ لواقعِ الثَّقافة، والتي ترتقي إلى حقيقةِ وفحوى الهُويَّةِ، والحضارة التي تعني بدورها” مجموع المفاهيم عن الحياة”، فيذكرُ العمادُ في الفصل الثاني والثلاثين جملةً من المقولات في الثقافةِ وحيثياتها، ومنها:
“الثقافةُ هي السِّلاحُ الأقوى في زمن الحرب. إذا فقدنا هُويَّتنا، نفقدُ كلَّ شيء”.
“إنَّ الثقافةَ ليستْ ترفاً أو رفاهيةً، إنَّها قوَّةٌ تُغَيِّر، ووعيٌ يزرعُ البذورَ في نفوسنا كي لا ننسى مَنْ نحن”.
” المقاومة ليستْ فقط بالجسد، بل بالعقلِ والقلب. ولو تراجعنا، ما عادت الأرضُ لنا “.
إنَّ المراميَ البليغةَ التي تحتملها دلالةُ الثَّقافة، هي التي حدتْ بصاحبنا إلى التَّأكيد على لزوميَّتها في السَّبيل المؤديةِ إلى بلوغ الفجرِ وتشييد الأمان والاطمئنان وراحة البال. فالثَّقافة في أبعادها المعنويَّةِ تتضمنُ دلالةَ الحضارةِ التي هي ” مجموع المفاهيم عن الحياة “، لذا يحملنا العمادُ في مُبْدَعِهِ الأدبيِّ إلى سَرْدٍ رُؤيويٍّ يؤكِّدُ على توافرِ لزوميَّاتٍ قيميَّةٍ يصعدُ إلى أعلاها الصَّبرُ معانقاً الأملَ بالظُّهورِ والظَّفرِ، ويُعانقُ في مراقيها الثَّقافةَ العِلمُ في تلكَ الصَّيرورةِ العتيدةِ المُكَلَّلةِ ببزوغِ الفجرِ وشُروقِ الشَّمس، وإذَّاكَ تعودُ لغزَّةَ قامتُها العليَّةُ وسيرتُها الأبيَّة، ولفلسطينَ تعودُ حُرِّيتُها وانتصارُها الذي يُذَكِّرُ باليرموكِ وعين جالوتَ وحطِّين…، ونعودُ خيرَ أُمَّةٍ أُخرجتْ للنَّاس…!.
مَروان مُحمَّد الخطيب