كتب الاديب الاستاذ مروان الخطيب/صديقُ الغيمِ وعشيرُ الضَّباب
صديقُ الغيمِ وعشيرُ الضَّباب!
– إلى الأخ الأستاذ الشَّاعر شريف القاضي-
*****
كنَّا معاً نُلَمْلِمُ بقايانا،
ونرفو ما تَهَلْهَلَ من الأحلام،
نسابقُ الأماني في مراقي الاشتهاء،
ونكتبُ لجفرا ومريمَ،
أسمى ممَّا كتبَ أراغونُ لإلسا تريوليه،
ونتذَكَّرُ دوماً،
ولا ننسى المَقُولةَ الخَالدةَ لتَوْأَمِ الشَّوق الكاتبِ الأديب محمود الخطيب:
” المَسَافة…لا يقطعُها مهزوم”،
ونتذكَّرُ أيضاً ما لا يغيبُ عن الرُّوعِ والوِجدان،
قولَ ابنِ القيِّمِ الأثيرِ المُسْتَنِيْر:
” إنَّ للهِ مَسَافاتٍ لا تُقطعُ بالأقدامِ، وإنَّما تُقطعُ بالقُلوب”،
وتشرَئبُّ إلى أعناقنَا الرُّؤيا العميقةُ في لوحةِ “ليلة النُّجوم” لفان جوخ،
فندركُ أنَّ للمُبدعِ تَجلِّياتٍ،
فيها مَسْحَةٌ عُلويَّةٌ،
كانفتاحِ القضاءِ على المَاوراء،
ولا تُدركُهَا الأبصارُ،
وإنَّما يسعى إليها المِدادُ مُبْدِعَاً ومُدَوِّناً ما يُمليه عليه ذاكَ الوَقْدُ المُحَرَّرُ من الأدرانِ والأضغاث،
فيلبي بذلكَ حدْسَ الفُؤادِ ورُؤيا الضُّلُوع…!.
كُنَّا معاً نُرمِّمُ السَّبيلَ إلى مِيقاتِ التَّجَلِّي في تنهُّداتِ القصيدِ وروعةِ الدَّهشةِ المُفْضِيةِ إلى السُّجُود،
وكنتَ تعبرُ اللَّيلَ بعينيِّ العُقَاب،
وتسيرُ في رحلتِكَ الكُبرى نهاراً وإسراءً،
من النَّهرِ الحزين،
إلى تلك الجِبَالِ الشَّوَامِخِ الممتدَّةِ من سِيْرِ الضِّنيَّةِ إلى فنيدقَ وتاشعَ وجوارِهما المُعَتَّقِ بالعُلُوِّ المُوازي للشَّهيقِ العميق،
كُنتَ وحدَكَ،
والزَّمنُ في جَعبتِكَ،
كانَ أن تقوى على العُبُورِ،
رُغمَ صَخَبِ الذَّئابِ،
ورُغمَ عواءِ الوُحُوشِ الملتهبةِ شوقاً دموياً للَّحمِ البَشَريِّ الطَّازَج…!.
ومنذُ آلافِ السِّنين،
كانَ المَسَاءُ هوَ المَسَاء،
والمَاءُ هوَ المَاء،
والهَواءُ هوَ الهَواء،
والقنديلُ- النَّجمُ هو الضَّوء والأمل والرَّجاء،
والأصيلُ زيتَ الوَقْدِ وسِرَّ السِّراج،
كي تستمرَ الحياةُ في حِضْنِ الخيرِ وانسراحِ الارتقاءِ في السَّماء…،
ولمْ تكنْ عيناكَ بمعزلٍ عن قلبِك،
وذاكرتُكَ،
كانتْ ذاكرةَ وقلبَ وقبضةَ أبي عليٍّ الطَّيِّب،
وكانتْ منفتحَةً ومُستَحوِذَةً على إبداعِ الوفاءِ في زمن النُّكوصِ والخِذْلَان،
فكنتَ أنتَ أَباك،
وكنتَ المِسَاحةَ الممتدَّةَ من حَوَافِّ النَّاقورةِ إلى شَهْقةِ مارون الراس فوقَ إصبعِ الجليل،
كنتَ رميش،
كُنتَ الخِيامَ،
كُنتَ بنتَ جبيل،
كُنتَ كفر شوبا والهبَّاريَّةَ وراشيَّا الفَخَّار،
وَكُلَّ مُفْرَدَاتِ العرقوب،
ومن قبلُ،
كُنتَ ينطا وعينَ عَطا،
وكُنتَ كفر فالوس وعَينَ المِير،
وكلَّ الأعيانِ المَكانيَّةِ جَنوباً وشِمالاً،
وجَنوبَ الشِّمالِ،
وجنوبَ الجَنوب…،
وكنتَ أباكَ الذي صاغتْ قَدَمَاهُ بعدَ يديه اتِّفَاقِيَّةَ القاهرة،
وكنتَ النَّسْلَ الأَوْفَى لدلالةِ “ديشوم” في معاجمِ الإباءِ والسَّخاءِ والوَفاء،
وسلْ سعد حداد،
نعمْ: سَلْ سعد حدَّاد،
الذي لم يمتْ بالسَّرطان كما زعموا،
وإنما بما زرعَ له أبو عليٍّ الطَّيب من لَغَمٍ أفتَكَ من طَاعونِ جستنيان،
وَقادَ إلى تَدَاعِياتِ حتفِهِ يومَ الرَّابع عشر من شهر يناير لعام 1984م…!.
أيُّها الأخُ الحميم الحميم…!،
يا لصيقَ الغَيْمِ وَعَشِيْرَ الضَّباب…!،
ها أنتذا يا صديقي،
تُحَدِّقُ في وجهيَ الحَزين،
تقرأ صَحَائفَ عكَّا وعمقا والكابري،
وتقرأُ حُرُوفَ النَّاصرةِ وصفدَ والقدسِ والخليلِ وبيسانَ وجبلِ النَّار،
وتقرأ سِيْرَةَ الجَرْمَقِ،
وجبلِ عامل،
في الذي كتبناهُ معاً،
ونرتقي بِ” الغاسقِ “،
نبضِكَ، مِدادِكَ وشِعرِكَ الشَّريف،
كما لو أننا نُشْرِفُ على جبلِ إبراهيم،
وهناكَ تُناديه:
أيُّها الجبلُ الشَّمُوخُ كآياتِ الفتحِ والفُرقان،
لِيُنادوكَ بجبلِ الشَّيخ،
بحَرَمُون،
بكلِّ الأسماءِ المحبَّبةِ إليكَ،
أو إليهم،
لكنَّكَ المُطلُّ على البَارُوكِ، وصنينَ،
والكَرْمِلِ،
وقاسيون،
ولن تكونَ،
إلَّا كما كان أبو عليٍّ،
إلَّا كما يجبُ أنْ تكون…!.
مَروان مُحمَّد الخطيب
5/9/2025م