كتب شاعر الفكرة الاديب الاستاذ مروان الخطيب/جديدُ باسل عبد العال( الخَيْمَةُ في الغَابة): انتصارُ الشَّهادةِ على الاحتلالِ والإجرام

“ليسَ صحيحاً أنَّ النَّاسَ يتوقفونَ عن مُطاردةِ أحلامِهم لأنَّهم تقدَّموا في العُمُر، بل يتقدَّمونَ في العُمُر لأنهم توقَّفوا عن مُطاردةِ أحلامهم”
– جابرييل غارسيا ماركيز –
*****
الأدبُ هو انتقالُ النَّبضِ من الخَفْقِ إلى الرُّوْعِ فِكْرَةً كالهَوَاء، ثُمَّ العَودةُ إلى القلبِ فُسْحَةً هيفاءَ فرعاء، ورِقَّةً هَفْهَافَةً ميساءَ رغداء، تحملُ أُفُقَ التَّجَلِّي والانسراحِ بسمةً أو دمعةً، حِكمةً أو صُورَةً، أو كلَّ هاتيكَ الأمداءِ مجتمعةً في اندغامٍ ملحميٍّ مُوَشَّىً بالفتنةِ الخَلُوبِ الدَّعْجَاء، أو بسحرِ الرُّؤيا وهي يصطفقُ جناحاها بين الأرضِ والسَّماء، استِجلَاباً للحُبِّ والنَّقاءِ والمَاء!.
وهو يُطِلُّ على الحياةِ، كما تُطِلُّ الحوراءُ العَيناءُ على الشُّهَدَاء، وبهذا يغدو الأدبُ قُطُوفَاً عَليَّةً، بهيَّةً، ونَديَّةً كتهاليلِ الأَشهبةِ المتراقصةِ ضوءاً ونوراً وقمراً وحُبُوراً في مساحاتِ الأَعتامِ والظَّلماء!.
من هذه الكُّوَّةِ النَّجلاءِ السَّمحاء، ندلفُ إلى النِّتَاجِ الأدبيِّ الجديد لابن مخيم نهر البارد لافتينَ وَقائلينَ:
“الخيمةُ في الغابة”، هو الإصدارُ الأدبيُّ السَّادسُ للشَّاعر باسل مَروان عبد العال، بعد إصداراتِهِ الخمسة السَّابقة: ” كما قالتْ الأرض”، ” لا شيء فيكِ سِواي”، ” لا أُطِلُّ على أحد”، ” أُسمِّيكِ التصاقاً بالنُّجُوم”، ورواية ” العائد إلى سيرتِه”.
يقعُ هذا الإصدارُ ( الخيمةُ في الغابة) في ستٍ وتسعينَ صفحةً من القطع المتوسط، وصادرٌ في طبعتِهِ الأولى 2025م، عمان/ الأردن، عن دار( الآن ناشرون وموزعون)، ويضمُّ بينَ دفتية تسعةً وعشرينَ نصَّاً أدبيَّاً وقصيدة.
يبدأ باسل عبد العال ( الخيمةُ في الغابة) بقصيدةٍ أسماها(الرُّؤية)، مُقْبِلَاً على حسيَّةٍ عاليةٍ تمتاحُ من عُلْوِيَّةِ الرُّؤيا ما عبَّرَ عنه بقولِهِ: ” أدقُّ على البابِ/ أينَ أنا في المكان؟/ أدقُّ عليَّ لأوقظَني/ عشتُ ما بينَ فصلٍ هوى في الزمان/ وما بين حُلمٍ يُرى في الرُّؤى/ أبعد الآن/ منذ تركتُ الذي كنتُهُ/ ثمَّ صرتُ الذي سوفَ أمضي إليهِ/ لكي ما أكونه/ فهذي الإقامةُ تعني أنِّي أقمتُ سريعاً/ هنا في القصيدةِ/ تلك التي أيقظتني لكي أستطيعَ الكلام”.
يبدو أن القصيدةَ والشِّعرَ لهما في أعماقِ وسريرةِ شاعرِنا باسل، معنىً وحضورٌ يماثلانِ فلسفةً تعي الوجودَ والكونَ والحياةَ من بوابةِ هذا الفنِّ الموقَّعِ بألقِ الفكرةِ والصُّورةِ والنَّغم. فقبلَ الشِّعرِ، كان صاحبُنا يبحثُ عن دلالةِ وجودِهِ وفحواه، وكان أبكمَ لا يستطيعُ الكلام، وأصمَّ لا يعي أيَّ قولٍ أو إيقاعٍ وصُورة. الأمر الذي انقلبَ مع معرفة الشِّعرِ والعيشِ فيه، إلى مجالٍ آخرَ، بل إلى واحةٍ غنَّاءَ مُترعةٍ بالأحمرِ والأخضرِ والحياة. وهنا تبدَّلَتْ حالُ الشَّاعرِ الإنسان، وامتلكَ في ظلالِ هذا الفنِّ البديعِ فحوى النَّشيد، واستطاعَ القولَ والبيان،
واستطاعَ الكلام، بل استطاع أن يمتلكَ هُويَّةَ ونبضَ الإنسان!.
وفي قصيدة( يا شام…)، يحملنا باسل عبد العال إلى فضاءٍ رحيبٍ بالشُّعراءِ الذين ذكروا الشَّامَ وناجوها بأشعارِهم، وراموها عَلِيَّةً وجلَّقَ النَّبضِ والفكرةِ التي ما هانت يوما في مواجهةِ الغُزاةِ والأعداء، وبقيت عَبْرَ التَّاريخِ صفحةً ناصعةَ البَيَاضِ الذي لم ينلْ من طهارتِهِ عدوٌّ حاقدٌ، أو طاغيةٌ ومُحتَلٌّ بليد، ولا ننسى من هؤلاء الشُّعراء: أحمد شوقي، محمد مهدي الجواهري، عمر أبو ريشة، يوسف الخطيب، محمود درويش، وغيرهم ممن باحَ لبَرَدَى أو ناجى قاسيونَ، أو رتَّلَ للأُمويِّ أشواقاً مُسَافِرَةً لصَلَاح الدِّين الأيوبيِّ أو خالد بن الوليد.
يقول باسلُنا في قصيدته: ” يا شامُ…/ نرسيسُ البدايةِ لمْ يحنَّ إلى المرايا/ لم يُجنَّ برؤيةِ الوجهِ المَلاكِ/ وحينَ كُنتِ…/ دنا إلى الماءِ الغزيرِ / وقالَ: ” أينَ أنا؟”./ لجُرحي شامةٌ من وردةٍ طينيَّةٍ ومؤجَّلَةْ/ أنكرتُ وجهيَ كي أراكِ/ لكي أكونَكِ/ لا شبيهَ على الشبيهِ/ ولا ملاكَ على الملاكِ/ متى متى يا شامُ تفنى الأسئلةْ؟/ ومتى تموتُ المجزرة؟/ ومتى تعودُ الأَجوبة؟”.
إنَّ العودةَ إلى أُسطورةِ نرسيسَ على هذا النَّحو الذي فقد فيه صاحبُ الافتتانِ بوجهِهَ افتتانَهُ، بل إنَّهُ في حضرةِ الشَّامِ غدا طوداً آخرَ، ومشروعاً تغييريَّاً يستمدُّ عبقَ الرُّؤيا ودمَها وماءَها من رمزيَّةِ هذه المدينةِ العتيقة، والتي لها على الدَّوامِ وجهُ المَلاكِ، وألقُ الجُلَّنارِ وضَوْعُ الياسمينِ الذي لا يشيخُ، ولا يذبلُ، ولا يفنى!.

ولعلَّ تساؤلَ شاعرِنا المُوجَّهَ إلى الشَّام: “متى متى يا شامُ تفنى الأسئلةْ؟، ومتى تموتُ المجزرةْ؟، ومتى تعودُ الأجوبةْ؟”، يخرجُ عن حقيقتِهِ الاستفهاميَّةِ مُعَزَّراً بما يليقُ بالشَّامِ من مجدِ الرِّفعةِ والانتصار الذي ينبغي أن يعودَ لها، كما عادَ إلى نرسيسَ وهجُهُ الإنسانيُّ الرَّفيعُ بعيداً، وبمعزَلٍ عن تيهِ الضَّياعِ وفتنةِ الذَّات المُتَضَخِّمةِ زهواً مرضيَّاً فارغاً، ولا يقوى على شيءٍ مما هو راقٍ ومفيدٌ في صيرورةِ العلاءِ والنَّقاءِ والبَهاء!.
وفي قصيدة( هذه رؤيتُنا المشتركة)، والتي أهداها باسل عبد العال إلى خالِهِ الرِّوائيِّ الشَّهيد نضال عبد العال يقول:
” أمامَ الغُروبِ وبيروت/ كنتُ هنا واقفاً معهُ/ قبلَ أنْ يدخلَ البحرُ فينا وننأى/ ….كانَ يُقاومُ بالسَّردِ سِرَّاً/ وكانَ يقاومُ بالسَّيفِ سِرَّاً/ ويعرفُ كمْ كانَ يعرفُ حرفاً وحرفاً مهمَّتَهُ في خُطاهَا النَّبيلة،/ لكي تعرفوه خُذُوا سَرْدَهُ الآخرَ الآنَ ثُمَّ اقرؤوهُ/ لكيْ تجدُوهُ ازدحاماً شَدِيداً/ وجُودَاً ورُوحا…”.
وكما قال محمود درويش ذاتَ ظهيرةٍ مُكْتَحِلَةٍ باليَقينِ والوَجع:
“كل نهرٍ له نبعٌ، وكل ألمٍ له نهاية”، يُصوِّرُ لنا باسل عبد العال قَطْفَاً لَهُوبَاً ونضيجاً من مَشْهَدِيَّةٍ بيروتيَّةٍ جمعتْهُ والشَّهيدَ الرِّوائيَّ نضال عبد العال، حيثُ تداخلَ الغُرُوبُ في بيروتَ في السَّاردِ الشَّاهدِ وفي الشَّهيدِ السَّرُود!، لكأنَّ الوِقفةَ هناكَ قبالةَ البحرِ، قدْ كشفتْ عن آتٍ كثيفٍ بالرُّؤى، وبما هو صائرٌ في سِجِلِّ النُّبلاءِ الخالدين، الذين وَهَبُوا دِماءَهم ومدادَهم لسبيلِ الارتقاءِ من الوِهَادِ الخَفِيضَةِ إلى ذُرَى الأَعلامِ الشَّوَامخِ مع الأبيضِ والأحمرِ والشَّمس. هناكَ وُلِدَ في البحرِ ما يشبهُ استواءَ سفينة نوحٍ على الجوديِّ في زمن الطُّوفان، وفي ما قبل ذلك، وفي ما بعده، وهناكَ هُناكَ علَّقَ الفارسُ النِّضالُ الشَّهيدُ قافيةً لم يكتبْها حرفاً، وإنَّما تركها مفتوحةً على آتٍ لا يشبهُ إلَّا الانتصار، وركبَ سفينةَ الشُّهداءِ، هو من كان كاتباً مبدعاً، وفارساً يشبهُهُ السَّاموراي، وأولئكَ المُجندَلونَ بدمائهم من أجلِ ولادةِ الزَّيتونِ والبُرتُقالِ وزهرةِ اللَّوز، ومن أجل أن تعودَ لِسِدرةِ الغابسيَّةِ وعمقا ظلالُ الزَّيزفون، ويعودَ لصفوريَّةَ والبروة والدَّامون وسعسع وديشوم، ألقُ عكَّا التي هزمت نابليون، وشموخُ الجرمقِ الذي كان يصلُ دمشقَ بالقاهرةِ من بوابة القدس!.
ثم يحملنا شاعرُنا البهيُّ بألقِ شهادةِ خالِهِ القائد الأديب نضال عبد العال، وعلى مدى أحد عشر نصَّاً من النَّثائرِ المزدحمةِ بالشِّعرِ وفلسفةِ الشَّهَادة، يُبحرُ في خِضَمِّها غوَّاصاً ومَحَّاراً مُتَمَاهِياً بنضالِ الكلمةِ والموقف والوفاء، ويقلُّنا الباسلُ إلى فضاءاتٍ من المشاعر المُخضلَّةِ بفحوى عناوين تحملُ من الدِّلالاتِ أرقاها في استجلابِ فراديس الشُّهداء مما بعد السَّماءِ إلى ما بعدَالدِّماءِ التي تسيَّجَتْ بها غَزَّةُ وبيروتُ في مواجهةِ عدوٍّ يُتقنُ فنونَ الإجرامِ وتمزيق الأجساد وتفتيتها، بل يبدعُ في اختلاقِ الصُّور التي لم يأتِ عليها نيرونُ روما، ولا أيُّ أحدٍ من رموزِ البطشِ والإجرام عبرَ التاريخ الإنسانيِّ كما يأتي بها اليوم نتنياهو وعصاباتُهُ المجرمة.
يقولُ صاحبُنا في( أمشي وراءَ الشُّهداء): ” أمشي وراءَ الشهداء،
وهم يمشون أمامي مرتفعينَ مثلَ النُّجوم،
وأسمعُها من بعيد،
تواسي أُمُّها أُمِّي:
كوني مثلَ زيتونةٍ لا تلويها الرياحُ،
ولا تكسرُها العواصف،
…، هو شهرُ الشُّهداء،
أقسى الشُّهور الدَّموية،
خريفُ الشُّهداء،
لكنَّهم لا يسقطونَ مثلَ الأوراقِ الصفراء،
بل يصعدونَ كالزَّنابقِ الحمراء…”.
وهنا بيتُ القصيد، فالشَّهادةُ مشروعُ ارتقاءٍ وانتصار، وانسراحٌ إلى المراقي سيثمرُ ذاتَ فجرٍ ولادةً من حبقٍ وياسمين، وظَفَرَاً على الاحتلالِ والإجرام، بل سيحملُ للأرضِ فلسفةً تنسفُ الرَّأسماليَّةَ العَفُون، والتي ولَّدتْ في سياقِ بنيتها الماديَّةِ الصهيونيَّةَ مشروعاً عنصريَّاً ودمويَّاً متوحِّشاً من أجل تكريسِ وجود وثقافة الاستعمار اللعين.
وعليه، فإنَّ الخيمةَ التي تكلَّمَ عليها شاعرُنا الباسل، والتي استوطنتِ الغابةَ مؤقتاً، ستنتصرُ على رُهابِ الغابةِ ووحوشها، وستعلو وجوداً رافلاً بالعزَّةِ والنَّصرِ والأمان، طالَ أم قصُرَ الزَّمان، وإذَّاك نعيشُ حقيقةَ مقولةِ شاعرنا الدَّرويش فيبلغُ الألمُ منتهاه، ويعودُ النَّهرُ إلى مجراه…!.

مَروان مُحمَّد الخطيب
27/8/2025م