قصيدة لشاعر الفكرة الاديب الاستاذ مروان الخطيب /ليلى.. والشِّعر
ليلى.. والشِّعر…!
لليلى..، تَحنُّ جُفونُ العُيونْ
وجُرحي النَّزيفُ وقلبي الحنونْ
قامتْ أمامي لوحةً من الفردوس،
فُسحةً أُخرى من نعيمٍ مُقيم…؛
فرشتْ أحلامَها كما لو أنَّها ممتلكةٌ مفاتيح المُستحيل، الذي تبدَّى و كأنَّهُ أكثرُ من ممكنٍ في جَعبَةِ أتواقِها الهائمةِ بينَ عاتقِها وجِيدِها هالةً من شمسٍ مُحنَّاةٍ، ومتهيِّأةٍ لعِناقٍ من لازورد ومرجان وذوبان…!.
تأمَّلتُ وجهَهَا، عينيها، والألقَ المُعندِلَ فوقَ شَعرها الثَّملِ بنجيعِ الدَّوالي، والمسافرِ دوماً شرقاً رغبةً في وصولٍ ليلكيٍّ إلى ذكاءِ وجمالِ وسحرِ شهرزاد، ثُمَّ رغبةً أُخرى في حُلولٍ نيرفانيٍّ مع ذاكرةٍ مثقلةٍ بالحُبِّ والوجع…!.
كانتْ الآتيةُ…، ليلى المُعتَّقةُ بالغياب…..!،
أعادتْ إليَّ نظراتي إليها بسؤالٍ رائقٍ ورئيف:
ما الشِّعرُ يا حبيبي…، حَدِّثْنِي عن نبضاتِهِ وأَتواقه…..؟!.
لمْ أَدرِ كيفَ نبستْ شفتاي:
الشِّعرُ نقيضُ الخَيبةِ…؛ وهوأنتِ…..! ؛ ومدىً مفتوحٌ على البوحِ والمجدِ والجادِ وسيرةِ البنفسجِ والخُزامى…، وامتلاءٌ طافحٌ برجعِ العُرُبِ الأَترابِ والمرايا، وصُعودٌ أَبيٌّ إلى صدقِ المواقيتِ معَ العهدِ الأُرجوانيِّ القائمِ في صلاةِ الوفاءِ المُزَنِّرةِ حُبَّاً ترسَّخَ في قلبينِ، استحالا معاً واحداً من دونِ رُتوشٍ وكُسورٍ وبُثُور…!.
الشِّعرُ جَسَدٌ من زهرِ اللَّوزِ، قلبُهُ المرأةُ، رئتاهُ الوجعُ، ومداهُ الماوراء…!.
…، وهوَ خيالٌ لا يعرفُ التَّجريد، والتزامٌ مُتَمَرِّدٌ على القُيود، وعاطفةٌ لا تُحاصرُها السُّدود، وبَوْحٌ أَندَى من شَفافيةِ الأَصباحِ، وبلا حُدُود…!.
…، تأمَّلتْ عينيَّ الغارقتينِ بينَ الأخضرِ والدَّمع، تَنَهَّدتْ، ثُمَّ سألتْ من جديد:
ما حقيقةُ المسافةِ بينَ الشِّعرِ والحُلمِ…؟!.
الشِّعرُ والحُلمُ توأمان، وهما يسيران في خَطٍّ واحد، يرسمان التَّوقَ بنكهةِ اللافندرِ، و يرنوانِ إلى الآتي بعينيِّ النَّورسِ، ويصعدانِ إلى أعالي الرُّؤى بِهمَّةِ الأَولياء، فلا تُقعِدُهما المتاعبُ والمصاعبُ، ولا الأدواءُ واللَّأواء؛ ويتزاحمانِ معاً مُتكاتفينِ، من أجلِ الشَّمسِ بازغةً فوقَ البذورِ كي تُزهر، وفوقَ البراعمِ كي تُثمر، وفي سبيلِ ولادةٍ تزرعُ في الأرضِ السَّماء، وتُعلي على صدرِها أضاميمَ النَّقاءِ والصَّفاءِ والبهاء…!.
والشِّعرُ سليلُ الماءِ الصُّراحِ في الحُلمِ والرُّؤيا، يكتبُ الإيقاعَ الأعذبَ من أجلِ الفجرِ، و يرسمُ أروعَ اللَّوحاتِ بأبهى الألوانِ لموسيقى الرُّوحِ في الأوراد، و للانتصارِ والارتقاءِ الشَّجيين التَّاليين شُحوبَ القمرِ في ليالي الهمِّ والعتمات؛ وهوَ ذاكَ الألقُ المُفضي إلى تهذيبِ النَّفسِ بالخيرات، والذي قالَ عنهُ ذاتَ حِكْمَةٍ بالغةٍ عبدُ المَلِكِ بنُ مروان لمُؤدِّبِ أولادِهِ: ” رَوِّهمُ الشِّعرَ يَمجدوا و ينجدوا “، و هو نفسُهُ الأملُ الأَرغدُ والمُغَرِّدُ في فلسفةِ الثَّوراتِ، الذي قالَ فيهِ ماو تسي تونغ: ” لا ثورة من دون الشِّعر”…!.
و الشِّعرُ يا حبيبتي، خُروجٌ بالنَّفسِ من مهاوي البؤسِ، ثُمَّ عُروجٌ بأشواقِها إلى مَدارجِ الرُّحَاقِ والبركات، وصولاً إلى تُخُومِ الملكوتِ المُجَنْدَلِ بصفوٍ يُشبهُ براءةَ وَوَأَوَأَةَ الرُّضعِ حينَ يستبدُّ بهمُ الحنينُ إلى أَثداءِ الأُمَّهات؛ وهوَ انعتاقُ الآهاتِ من الآهات، رغبةً سَرْمَدِيَّةً في اكتشافِ حقيقةِ الكونِ والإنسانِ والحياة…!.
الشِّعرُ – يا ليلى – ، إطلالةٌ من عَطَشِ الأَرضِ على رَبابِ السَّماء، يُماثلُ في كُنْهِهِ الهواءَ والماء، و يعلو في المراقي كيْ يُخلِّصَ الأَنْفُسَ من الأَدواء؛ و بهذا يصبحُ شيخَ الفُنُون الصَّاعدَ في مباحثِ العُثُورِ على أُسِّ الرَّاحةِ وفحوى الأمانِ ومعنى الطُّمأنينة. و من هُنا نفهمُ الفَيْلَسُوفَ الأَلمانيَّ مارتن هايدغر حينَ قال : ” جوهرُ الفنِّ، الشِّعرُ، وجوهرُ الشِّعرِ إقامةُ الحقيقة “، لذا – يا حبيبتي – ، نراهُ مُخْضَلَّاً في حُرُوفِهِ وإيقاعِهِ وخيالِهِ بما هو راسخٌ في الجِبِلَّةِ الآدميَّة، ونراهُ يُماشي الفكرَ في مَسَارِ الفِطْرَةِ التي لا تطمئنُ، ولا ترتاحُ إلَّا بحلِّ عُقدةِ الوجودِ، وصولاً إلى ما يبلغُهُ العقلُ في بحثِهِ العميقِ والمستنيرِ من أجلِ موافقةِ أفعالِ الجوارحِ في إشباعِ حاجاتِها العُضويَّةِ والغريزيَّةِ للحقيقةِ الكبرى التي يبقى النَّاسُ أسارى طوقِها وحبائلها ما لم يهتدوا إلى اليقينِ السَّاجدِ في جوهرها الفِضِّيِّ المُصلِّي في مَحَاريبِ الأَنوارِ، بعيداً عن الأَحاجي والعُتُوم…!.
هكذا يُولدُ الشِّعرُ من رحمِ الحياةِ و مِنْ عُمقِها، مُلَبِّياً نِدَاءَ الحَاجةِ الإنسانيَّةِ إليه، وزارعاً في دُنيا البشرِ، هندسةً لا غنى عنها من أجلِ قيامةٍ فَذَّةٍ، تُعلي مقامَ النَّوابضِ الواعيةِ إلى مَصَافِّ القُلوبِ المُدْرِكَةِ فَلْسَفَةَ الحَرْفِ والطِّينِ، والسَّرَ الرَّفيعَ الكامنَ في جمالِ زهرةِ اللَّوزِ، و في هُيامِ ريحان بليلى، وفي إقدامِ ديكِ الجِنِّ الحِمْصِيِّ على اجتيافِ حبيبتِهِ “وَرد” لمجرَّدِ دسيسةٍ تناهتْ إلى قلبِهِ، وَمَفَادُها، أنَّ حبيبتَهُ قد استبدلتْ بِحُبِّهِ حُبَّاً آخر…!.
هو الشِّعرُ – يا حبيبتي – كلُّ هذا، وأكثر…؛ و كما قالَ علَّامتُنا الدكتور إحسان عبَّاس: ” الشِّعرُ في ماهيتِهِ، تعبيرٌ إنسانيٌّ فرديٌّ، يتمدَّدُ ظلُّهُ في الاتجاهاتِ الأَربعة، ليشملَ الإنسانيَّةَ بعُموميَّتِها”. من هُنا نعثرُ عليهِ دَنْدَنَةً، حُبَّاً، فَرَحَاً، حُزناً، بُكاءً، ثورةً، وَأَطيافَاً نابضةً تُرافقُ سيرَ الإنسانِ في كلِّ أطوارِ حياتِه.
ومن هُنا أيضاً، ألفيناهُ بيرقَ مُرُوءةٍ في ألقِ عنترةَ العبسيِّ، وصوتاً من أُرجوان، هادراً للحقِّ والرِّسالةِ السَّمْحَاءِ في عطاءِ حسَّان بنِ ثابت، وصوتاً آخرَ للكفاحِ والمُقاومةِ في إبداعاتِ فيدريكو غارسيا لوركا، وبول ايلوار، وبابلو نيرودا، ومحمود درويش، كما تنسَّمناهُ روعةً من أحمرَ وشذىً في بَوْحِ أَراغون وجميل بن معمر، وفي تحاليقِ الشَّاعرِ الأرجنتينيِّ خورخي لويس بورخيس القائل:
” أنْ نُترجمَ حُنقَ السِّنين،
إلى موسيقى وإشاعةٍ ورمز،
أنْ نرى في الغُروبِ ذهباً حزيناً،
ذلكَ هو الشِّعر…!.
الشِّعرُ يرجعُ كالفجرِ والغُروب،
و في أوقاتِ الظَّهيرةِ يُطِلُّ علينا،
وجهٌ ما من أعماقِ مرآة،
لا بُدَّ أنَّ الفنَّ مثل تلكَ المرآة،
التي تتجلَّى لنا عن وجهنا نحن،
…، وكيفَ أنَّ عوليسَ،
وقد طَوَّحتْ بهِ الأعاجيب،
كانَ يبكي حُبَّاً،
ليلمحَ الطَّريقَ إلى إيثاكا،
مُتواضعةً خضراء،
الفنُّ هو إيثاكا “…!.
و بعدُ يا حبيبتي :
الشِّعرُ هو أنتِ،
ليلى الرَّاسخةُ في وجدانِ ريحان،
وهوَ غَزَّةُ تكتبُ ملحمتَها بالدِّمِ والأشلاءِ والجوع،
منتَظِرَةً سيرةً كتبَ عنها ابنُ خَلِّكان لرجلٍ من نورٍ ولحمٍ ودمٍ ومُروءة،
وسيأتي على صَهْوَةِ البُرَاق،
ويسيرُ مِنْ غزَّةَ ليُصليَ في الأقصى،
ثُمَّ يُقيمُ فيضاً مَولويَّاً تدورُ فيه دمشقُ معَ بغدادَ وسمرقندَ وتطوان…!.
مروان مُحمَّد الخطيب.