خاص النهوض كتب غسّان حلواني التطبيع بين السعودية وإسرائيل: تحليلٌ شمولي في رحاب الاجتماع والسياسة والدين وجهة النظر الغربية
خاص النهوض
كتب غسّان حلواني
التطبيع بين السعودية وإسرائيل:
تحليلٌ شمولي في رحاب الاجتماع والسياسة والدين
وجهة النظر الغربية..
في قلبِ الشرق الأوسط، حيثُ تتصارعُ الذاكرةُ مع الحداثة، وتتشابكُ جذورُ التاريخ مع أجنحةِ المستقبل، تطفو على السطحِ قضيةٌ تُعيدُ تشكيلَ خريطةِ التحالفاتِ والهويات: التطبيعُ بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل. إنه حوارٌ يعانقُ التناقضاتِ بجرأةٍ، بين ماضٍ عربيٍّ تشكلت ملامحُه عبرَ عقودٍ من الصراعِ الفلسطيني-الإسرائيلي، وحاضرٍ يبحثُ عن شرقٍ أوسطٍ جديدٍ، تُحددُ معالمه المصالحُ الجيوسياسيةُ أكثرَ مما تُحددهُ الشعاراتُ. هنا، حيثُ تلتقي الرمالُ الذهبيةُ لصحراءِ الجزيرةِ العربيةِ مع أمواجِ المتوسطِ، تُطرحُ أسئلةٌ وجوديةٌ عن الهويةِ والسلامِ والعدالةِ، في مشهدٍ يعجُّ بالصراعاتِ الخفيةِ والتحولاتِ الجذريةِ.
من المنظور الاجتماعي، و بحسبَ عالمِ الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنز، فإنَّ “الحداثةَ الجذريةَ” تفرضُ على المجتمعاتِ إعادةَ تعريفِ نفسها في فضاءاتٍ متغيرةٍ. والسعوديةُ، التي تشهدُ تحولاتٍ اجتماعيةً سريعةً تحتَ مظلةِ رؤية 2030، تواجهُ تحدياً مزدوجاً: كيفَ تُوازنُ بين الحفاظِ على الهويةِ الدينيةِ التقليديةِ وتبني خطابٍ عالميٍّ يعترفُ بإسرائيل؟ هنا، يبرزُ مفهومُ “المجتمعات المتخيلة” لـ بندكت أندرسون، حيثُ تُعيدُ النخبُ السياسيةُ صياغةَ السردياتِ الوطنيةِ لتحقيقِ مصالحٍ اقتصاديةٍ وأمنيةٍ، حتى لو تعارضتْ مع الذاكرةِ الجماعيةِ التي ربطتْ لعقودٍ بين القضيةِ الفلسطينيةِ والهويةِ العربيةِ. من ناحيةٍ أخرى، تشيرُ دراساتُ يورغن هابرماس حولَ “الفضاءِ العامِ” إلى أنَّ شرعيةَ أيِّ تحولٍ سياسيٍّ مرتبطةٌ بقدرةِ النظامِ على إدارةِ الحوارِ بين الأصواتِ المتباينةِ. ففي السعوديةِ، حيثُ 70% من السكانِ تحتَ سنَ الثلاثين، قد تُقابلُ خطوةُ التطبيعِ بتأييدِ جيلٍ شابٍّ يرى في إسرائيلَ نموذجاً تكنولوجياً واقتصادياً، بينما تُعارضُه أطرافٌ محافظةٌ تعتبرُ القضيةَ الفلسطينيةَ جزءاً من الهويةِ الدينيةِ.
من المنظور السياسي، غالباً ما تهبّ رياحُ المصلحةِ فوقَ سحبِ الأيديولوجيا. ففي عالمِ السياسةِ الواقعيةِ، حيثُ تُقاسُ القراراتُ بمكيالِ “الضرورةِ” لا “المبدأِ”، يُصبحُ التطبيعُ بين الرياضِ وتل أبيبِ مسألةَ وقتٍ. كما قالَ الدبلوماسيُ الأمريكي هنري كيسنجر: “السياسةُ ليستُ عقيدةً، بل عمليةُ موازنةٍ بين المصالحِ”. هنا، تلتقي السعوديةُ وإسرائيلُ عندَ نقاطِ تقاطعٍ استراتيجيةٍ: الخوفُ من التمددِ الإيرانيِّ، والرغبةُ في تحييدِ حركاتِ المقاومةِ الإقليميةِ، والسعيُ لبناءِ تحالفٍ تحتَ المظلةِ الأمريكيةِ.
لكنَّ التحليلَ الأعمقَ يُشيرُ إلى أنَّ السعوديةَ تتبعُ منطقَ “الاستراتيجيةِ البرجماتيةِ” التي تحدثَ عنها جون ميرشايمر في نظريتهِ عن “الواقعيةِ الهجوميةِ”، حيثُ تسعى الدولُ لتعظيمِ قوتها في بيئةٍ فوضويةٍ. فالتطبيعُ قد يفتحُ أبواباً للتكنولوجيا العسكريةِ، والتعاونِ الأمنيِ في مواجهةِ الهجماتِ السيبرانيةِ، وحتى لضمانِ دعمٍ أمريكيٍّ في ملفاتٍ كالنوويِ الإيرانيِّ.
ومع ذلك، فإنَّ القفزةَ نحوَ التطبيعِ تُواجهُ تحدياً في “الشرعيةِ الداخليةِ” للدولةِ السعوديةِ، خاصةً مع ارتباطِ شرعيتِها التاريخيةِ بقيادةِ العالمِ الإسلاميِ، وهو ما يُذكِّرُ بتحذيراتِ عالمِ السياسةِ صموئيل هنتنغتون من أنَّ “الصدامَ بين الحضاراتِ” قد يشتعلُ إذا تخلتْ النخبُ عن السردياتِ الدينيةِ لصالحِ التحالفاتِ العلمانيةِ.
و من المنظور الديني: بين فقهِ المصالحِ وحدودِ الشرعِ . في قلبِ هذا الجدلِ، تقفُ المرجعيةُ الدينيةُ السعوديةُ كحارسٍ للهويةِ الإسلاميةِ. فمنذُ تأسيسِ الدولةِ السعوديةِ الثالثةِ عام 1932، ارتبطَ مشروعُها السياسيُّ بتحالفٍ مع المؤسسةِ الوهابيةِ، التي تُحرِّمُ العلاقاتِ مع إسرائيلَ باعتبارها “كياناً محتلاً”. لكنَّ الفقهَ السياسيَّ الإسلاميَّ ليسَ جامداً، إذ يرى بعضُ العلماءِ مثل الشيخ عبد الله بن بيه أنَّ “فقهَ الموازناتِ” يسمحُ بالتطبيعِ إذا حققَ مصلحةً أعلى كدرءِ خطرِ إيرانَ الشيعيةِ”.
لكنَّ هذا الرأيَ يُواجهُ رفضاً من علماءَ آخرين، مثل الشيخ سلمان العودة، الذي يرى أنَّ “التطبيعَ خيانةٌ للقدسِ وأهلِ فلسطينَ”، مستنداً إلى آياتٍ قرآنيةٍ كقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: 113). كما تُثيرُ فتاوى دارِ الإفتاءِ المصريةِ التي تحرِّمُ التطبيعَ تساؤلاتٍ عن مدى قبولِ الخطابِ الدينيِ السعوديِ لهذا التحولِ.
في نهايةِ المطافِ، يُشكلُ التطبيعُ السعوديُّ-الإسرائيليُّ نسيجاً معقداً من الخيوطِ الذهبيةِ والداميةِ. خيوطُ المصلحةِ التي تنسجُها رياحُ الجغرافيا السياسيةِ، وخيوطُ الهويةِ التي تحاولُ الحفاظَ على تماسكِها في عصرِ العولمةِ، وخيوطُ الشرعيةِ الدينيةِ التي تُصارعُ من أجلِ البقاءِ في ظلِّ دولةٍ تريدُ أنْ تكونَ “سنغافورةَ الصحراءِ”.
هذا التحولُ ليسَ مجردَ توقيعٍ على أوراقٍ دبلوماسيةٍ، بل هو اختبارٌ وجوديٌّ لشرقٍ أوسطٍ جديدٍ، قد يُعيدُ تعريفَ معنى العروبةِ والإسلامِ في القرنِ الحادي والعشرينَ. فكما كتبَ المؤرخُ أرنولد توينبي، “الحضاراتُ تُولدُ وتنمو حينَ تُجيبُ بتحدٍ على أسئلةِ التاريخِ”. والسؤالُ الآن: هل سيُصبحُ التطبيعُ إجابةً على أسئلةِ السلامِ والازدهارِ، أم سيكونُ فصلاً جديداً في سجلِّ الخياناتِ والصراعاتِ؟
الزمنُ وحدهُ منْ سيحكمُ، لكنَّ اليقينَ الوحيدَ هو أنَّ الشرقَ الأوسطَ، بأقدسِ مدنِه وأقدمِ صراعاتِه، ما زالَ يُدهشُ العالمَ بقدرتِه على خلطِ الأوراقِ، كرقاصٍ يتحركُ بين الماضي والمستقبلِ، حاملاً في كلِّ خطوةٍ أملَ السلامِ وعبءَ الذاكرةِ.