كتب شاعر الفكرة الاديب الاستاذ مروان الخطيب /مِنْ “ماوسكرات” إلى “يحيى السنوار”: “دربُ الدُّموع”.. فجرُ انتصار…!

مِنْ “ماوسكرات” إلى “يحيى السنوار”:
“دربُ الدُّموع”.. فجرُ انتصار…!

 

في البحرِ،
نقرأُ سِيرةَ الأرضِ والبُرتُقال،
ونقرأُ ملحمةَ الأُوديسة والطُّوفان،
ونعبرُ على مَتْنِ المَوجِ والتَّاريخ،
إلى أهازيجِ القَرَنفُلِ والبنفسجِ والبيلسان،
نقرأُ كيفَ غارَ الذَّهبُ في الأرض،
وكيفَ رحلَ إلى جوارِ الشَّاطئ أحفادُ الجان،
وكيفَ فاضَ لُعابُ الرئيس الأمريكي أندرو جاكسون نحوَ شرقِ المسيسيبي،
وكيفَ سعى في ترحيلِ قبيلةِ الشيروكي من الهُنودِ الحمر،
من شرقيِّ النَّهرِ إلى غَربيِّهِ في الذي يُعرفُ اليومَ بِ أوكلاهوما،
وكيفَ أَجهزَ الرأسماليُّ العَفِينُ،
على أكثرَ من أربعةِ آلآف نفس،
تلقاءَ شُعُورِهِ بالظَّفرِ والكسبِ،
وتحقيقِ أمانيه بالسَّيطرةِ للفوزِ بالمالِ والذَّهب،
ولا يهمُّهُ إذَّاكَ،
ولو قضتْ قبيلةُ الشيروكي جميعها موتاً بالجوعِ والعطشِ، أو بالبردِ،
والإرهاقِ واليأسِ والحَزن،
ولا يَهُمُّهُ أبداً،
ما واجَهَ الآلآفَ من مُهَجَّري الهُنُودِ الحُمر،
حتَّى ولو حضنتْهُم الأرضُ جميعَهم،
وهم يسيرون في فِجَاجِ الوجعِ والموتِ رحيلاً عن أرضِهم،
إلى حيثُ يشاءُ المُسْتَعمِرُ العنصريُّ الأبيضُ،
وهو يُقَتِّلُ أحلامَ أصحابِ الأرضِ الأصليينَ،
ويقطعُ رابطتَهم بأمِّهم التي ما بخلتْ يوماً عليهم،
بمائها وعدسِها،
وببصلِها وفُومِها،
وبشهدها وقِثَّائها وحنانِها…!.
…، وكأنَّ التَّاريخَ يُعيدُ نفسَه،
بل إنَّ الأَحداثَ تتشابهُ في سياقاتِها،
والأشخاصَ يتشابهونَ بأفكارِهم وأداءاتِهم،
تماماً كما يشبهُ أهلُ غزَّةَ أهلَ الشيروكي،
وكما يشبهُ دونالد ترامب مواطنه أندرو جاكسون، في الفكر الرَّأسماليِّ المُتبنَّى والمعمولِ به،
وفي الأداءِ الماديِّ والعنصريِّ،
والذي لا ينظرُ، ولا يُراعي، لا قيمةً إنسانيَّةً، ولا قيمةً أخلاقيَّةً، ولا قيمةً روحيَّةً، بل يتوحَّدُ في ذوبانِهِ بالقيمةِ الماديَّةِ، وبها وحدَها، نُشْدَاناً للمالِ والسَّيطرة،
ولو عَبْرَ الدَّمِ البريء المهدورِ والسَّفيك…!.
ها هو ذا الرُّبانُ الأمريكيُّ ترامبُ،
يُجَسِّدُ صورةَ الغُول التي يتَّحدُ فيها مع تابِعِهِ المِجْزَار نتنياهو،
بل إنَّهُ الوَحشُ الضَّارِي في هيئةِ إنسان،
ويهذي بسلبِ غزَّةَ من أهليها،
وكما هجَّرَ جاكسونُ قبلَهُ قبيلةَ الشيروكي،
من مهدِها شَرقيِّ المسيسيبي، إلى غربيِّهِ،
يرغبُ مُقَامِرُ الوَلاياتِ المتَّحدة الأمريكية في أن يرى أهلَ غزَّةَ وقد غادروها إلى مصرَ والأُردن،
أو إلى أيَّةِ بقعةٍ في الأرضِ غيرِ غزَّة…!،
وهُنا لنا أنْ نجتهدَ في قراءةِ هذه الرُّؤيا والمشهديَّةِ القتُوم،
ولنا أن نُجريَ المُقابلاتِ بينَ الأمسِ واليوم،
بين التَّاريخِ والأحداثِ الجارية،
ولنا أن نعيدَ المقاربةَ إلى السَّطحِ بينَ جاكسون وترامب،
فالأوَّلُ أجرمَ بحقِّ الهُنودِ الحُمرِ من قبيلةِ الشيروكي، طمعاً في تحصيلِ المعدنِ السَّاحرِ، الذَّهبِ الغافي في موطنِ الشيروكي،
والثَّاني يجرمُ عَبْرَ دعمهِ المفتوحِ نتنياهو، مُدِمِّرِ غزَّة، وقاتلِ أطفالها ونسائها وشيوخها،
وعَبْرَ رغبتِهِ في تفريغِ مدينة البحرِ والفجر والطوفان من أهليها، وتهجيرهم عنها، ربما كي يغدوَ المُسْتَثمِرَ الأوَّلَ لخيراتِها النائمةِ خلفَ الموجِ في قابلِ الأيام…!.
لكنَّ صوتَ الحقِّ يبقى الهَدُورَ الجَسُور،
ويبقى الأَبقى الذي لا يبورُ،
ولا يجور،
ويبقى الأسمى والأندى،
والمُعَشِّشَ في الأفكارِ والعقولِ والسُّطور،
يبقى في صرخاتِ ومِدادِ ابنةِ قبيلةِ الشيروكي الشاعرة “روث ماوسكرات برونسون” التي هُجِّرَ أسلافُها في ” درب الدُّموع”، من جورجيا شرقيِّ المسيسيبي، إلى ما أُطلقَ عليه ” الأراضي الهندية” غربيِّ النهر.
وتقطرُ خفقاتُ قلبِ “ماوسكرات” دموعاً وكَلِمَاً إبداعيَّاً يجمع بين الأملِ والحُزنِ والحُب…،
والقارئ قصيدتها التي نزفتْها سنةَ 1922م وأسمتها( درب الدُّموع)، فإنَّهُ يقفُ تماماً على أوجاعِ وآلآمِ أسلافها وأهليها ممن هُجِّرُوا وقُتِّلوا على أيادي العنصريين البيض من الأمريكيين.
تقولُ شاعرتُنا في تلك القصيدة:
” في الظلامِ، تنوحُ الصَّنوبراتُ السَّامقةُ،
وهي تحرسُ الدَّربَ الكئيب،
…، يُساقونَ على الدَّربِ كاتمينَ الآهةَ المُستَهَلَّةَ،
مختنقينَ بأنينِ أربعةِ آلآفٍ منهم قضوا؛
لكنَّ “الرُّوحَ العظيمة” ما زالَ يظلِّلُ شعبَهُ،
وهم يجتازونَ دربَ الدُّموع.
من بيوتٍ شيَّدَها آباؤهم،
من قبورٍ تُظلِّلُها الأشجارُ الباسقة،
من أجلِ الجَشعِ والذَّهب،
أُجبرَ الشيروكيون على الرَّحيلِ إلى أرضٍ لا يعرفونها؛
لا ” سيِّدُ الزَّمن”،
ولا الحكمةُ القديمةُ،

يُمكنُ أنْ يَمْحُوَا على مَرِّ الدُّهور،
ذكرى دربِ الدُّموع”.
وإذا تسنَّى لنا العودة إلى غزَّةَ، في متابعةِ هذه المقاربة معَ قبيلةِ الشيروكي من الهنود الحمر، فإننا نقرأ ونسمعُ صَوْتَ وأثرَ الشَّاعرةِ الشيروكيَّةِ في أثرٍ أدبيٍّ رفيعٍ تركه لنا القائد الأديب الشهيد يحيى السنوار، وعنيتُ بذلك روايتَه( الشَّوكُ والقَرَنفُل)، والتي تقعُ في ثلاثينَ من الفُصُولِ المُسْتَغرِقةِ في سَرديَّةٍ تُطلُّ على تاريخِ النِّضَالِ والكِفَاحِ الفلسطينيِّ، وعلى الأحداثِ التي زخرتْ بها هذه القضية، ولعلَّ الأداءَ الذي صاغَ به الرِّوايةَ شهيدُنا السنوارُ وهو خلفَ قضبان السجن والاعتقال، فيه من التفاصيل الكثيرة التي تحملُ الوجوهَ ذاتها التي تضمنتها أشعارُ ابنة قبيلة الشيروكي روث ماوسكرات، من حيثُ الأمل والحزن والحب، والكفاح العنيد الذي لا بدَّ أن ينتهي لمصلحةِ صاحب الحق، ولو طالَ زمانُ الوجعِ والقيد والاحتلال!.
ولو قُدِّرَ لنا أن نتمعَّنَ في اسمِ روايةِ شهيدنا، لتَوَقَّفنا قليلاً ونحن ندرسُ دلالةَ الشَّوكِ والقَرَنْفُل. فالشَّوكُ يُمَثِّلُ من دون أدنى شك، صورةَ الغاصبِ المحتل، وما أفرزه في الوطن والأهلين من مآسٍ وأوجاعٍ وآلآم، إضافةً إلى دروبِ الدموعِ والأحزان، التي حفرها وأودعَ في وَهْدَاتِها المَحِيلةِ المكافحين والمناضلين المجاهدين في سبيل تحرير الأرض وإعادة الحق إلى أصحابِه القابضينَ على فجرهم الأميلِ رغمَ أعتامِ وأصفادِ الاحتلال.
أمَّا القَرَنفُلُ، فإنَّهُ يحملُ دلالةَ حضورِهِ زهرةً فوقَ الصُّدور، مجالاً للجمالِ والإباءِ والبهاءِ والدواء، وهي بالتأكيد صورةُ الفجرِ الذي سيلي الاحتلال ذاتَ انتصارٍ قابلٍ، وعندها يعودُ الحقُّ إلى أهليه، وتعودُ عدالةُ السَّماءِ معندلةً في كلِّ أصقاعِ الأرض…!.

مَروان مُحمَّد الخطيب
7/2/2025م