كتب الشاعر الاستاذ مروان الخطيب/سعدُ الدِّين شلق مُتَأَلِّقاً في ” أُمَّة الأعراب
سعدُ الدِّين شلق مُتَأَلِّقاً في ” أُمَّة الأعراب”*…!
يسمو ويعلو مقامُ الشِّعرِ، كُلَّما أَمسكَ القصيدُ بتلابيبِ الفَرَحِ والحُزن، وكُلَّما أَوغلَ مُنْصَهِراً في شآبيبِ النَّبضِ والخَفْقِ، فكانَ الشَّاهدَ على ما فيه، والمُدَوِّنَ خَلْجَاتِهِ وسَكْنَاتِهِ مع كلِّ مُفْرِحَةٍ مُسْعِدَة، أو نَازِلةٍ مُؤلِمَةٍ وَمُحْزِنَة…!.
وهنا لا يسعنُني، إلَّا أنْ أُثبتَ مقولةَ الشَّاعرِ الأديب واللُّغويِّ الفذِّ الأريب أبي القاسم حسن بن بشر الآمدي، والتي جاء فيها: ” إنَّ أعذبَ الشِّعرِ هو أصدقه، وليسَ أكذبه”.
من هُنا، ننظرُ إلى الصِّدقِ في التَّعبيرِ الإبداعيِّ، بعينٍ ترى فيه لازمةً شَجِيَّةً في سِيَاقِ الوُصُولِ إلى القَطْفِ النَّضِيجِ الثَّمير، ذِيْ النَّكهةِ الآسرةِ السَّحور. وترى فيه أيضاً مُقَدِّمةً موضوعيَّةً من أجلِ بُلُوغِ مُنتَهىً عَصُورٍ من شَغافِ القلبِ، ومُتْرَعٍ بالجَذْبِ المُوَشَّى بالعفويَّةِ المُزَنَّرةِ بالألقِ والجمالِ الذَّائبَينِ في خاطرِ وفُؤادِ القارئ الفَهيم، والمُتَلَقِّي الحَميم!.
ولعلَّ المُتَأمِّلَ في دلالةِ لفظةِ “الشِّعر”، يلحظُ اشتقاقَها من الفعلِ ” شَعرَ”، وبالتَّالي يلمسُ مدى تأَصُّلِهَا وَصِلَتِهَا بدائرةِ الشُّعُورِ والإحساس، وعليه فإنَّ الارتباطَ بين الأخيرِ والصِّدقِ، هو بالضَّرورةِ ارتباطٌ عُضْوِيٌّ لا فكاكَ منه، ولا غنى عنه، ويرسمُ جَوهرتَهُ السَّاحرةَ في الأثرِ المُبْدَعِ تحتَ جناحي المقولةِ الخالدة( ما يخرجُ من القلبِ، يصلُ مُبَاشَرَةً إلى القلب).
من هذه الرُّؤيا، ندخلُ مِيْمِيَّةَ الشَّاعر سعد الدِّين شلق( أمَّةُ الأَعراب)، والتي سكبَها قلبُهُ الثَّملانُ بالأسى والأحزان، على ما حلَّ بفلسطينَ وأُمَّتِها من فَوَاجعَ ونكباتٍ، وما تغلغلَ في صدرِها وأركانِها من مَوَاجعَ ووَيلَات، وما عَشَّشَ فيها من أَوصابٍ وخذلانٍ ومُلِمَّات، فجاءَ القصيدُ مَطْلعَاً ومتناً، وخِتاماً، حَامِلَاً صُوَرَ الوَجَعِ العنيد، وألوانَ المَهَانةِ التي حَلَّتْ كالصَّواعقِ المُدَمِّرة، وذيَّاكَ الأملَ المَرْسُومَ على صَفْحَاتِ الماضي المُكَلَّلِ بالفجرِ والنَّصرِ، أملاً ثانياً وسابعاً، بولادةٍ تُعيدُ لفلسطينَ وأُمَّتِها ما كان لها من عِزٍّ ومجدٍ، ومن رفعةٍ وسُمُوٍّ وسؤدد.
يقولُ شاعرنا في مطلعِ قصيدته:
” يا أُمَّةَ الأعرَابِ شِعري أبكمُ
إلِّا إذا غنَّى، فأطربَهُ الدَّمُ
أنَّى يُرَنِّمُ بلبلٌ في روضَةٍ
ماتَ الصَّباحُ بها وجفَّ البُرعُمُ!
سبعونَ عاماً والهزائمُ زادُهُم
فَجَنَاهُمُ مِنْ كُلِّ عارٍ مَوْسِمُ”.
هي ذي المُفرداتُ العَاجَّةُ بدلالاتِ الخَصَاءِ والذُّبُولِ والتَّلَاشِي، تبرزُ أمامَنا منذُ مطلعِ القصيدة، فنسجِّلُ منها في الأبياتِ الثَّلاثةِ الأُولى من ميميَّةِ صاحبِنا: ( أبكم، الدَّم، مات، جفَّ، الهزائم، وعار).
ولعلَّ هذه المُفرداتِ السِّت، بما تتضمَّنُهُ من معانٍ سوداء، وما تُشيرُ إليه من واقعٍ أليمٍ ووجيع، تحملنا إلى قراءةٍ عميقةٍ وبليغةٍ، لما يُريدُ الشَّاعرُ الإفصاحَ والتَّعبيرَ عنه. فالنِّداءُ الذي أطلقه إلى أُمَّتِهِ يحملُ إضافةً إلى المعنى العليِّ الصَّارخِ، صورةً تختزلُ غِنائيَّةَ الشِّعرِ والطَّربَ الذي يكتنفُهُ، فقط في لوحةِ الدَّمِ السَّفيكِ، والموتِ الذي غطَّى قتامُهُ الرِّياضَ والأصباحَ وسائرَ الأعيان، حتَّى تناهى إلى البَرَاعمِ الخضراء، فَجَعَلَهَا عَصْفَاً ورمادا!.
بل إنَّ عمقَ التعبيرِ عندَ شاعرِنا حيالَ ما يعصفُ بالأُمَّةِ من مواجعَ وهزائم، قد حملَ سعدَنا العميقَ البليغَ إلى حركةٍ في الأداءِ اللُّغويِّ، قَدَّمَ فيها وأَخِّرَ وصولاً إلى مُبتغىً رفيعٍ، أرادَ له شاعرُنا تظافرَ اللُّغةِ معه للوصولِ إلى عميقِ نُشْدَانِهِ وما يُريد.
فقولُهُ: “فجناهُمُ في كلِّ عارٍ موسمُ”. فيه التقديمُ والتأخيرُ، ولربَّما يكونُ هناكَ قلبٌ لموقع المفردات، فبدلَ أن يقولَ: فجناهُمُ في كلِّ موسمٍ عارُ”، رأيناهُ يقلبُ موقعَ الكَلِمِ، فيضعُ كلمة “العار” حيثُ وجبتْ كلمةُ “الموسم”، وذلكَ في لفتةٍ بلاغيَّةٍ تشبهُ تقديمَ الفرعِ على الأصلِ، لفتاً لما عليه الفرعُ من قيمةٍ عليَّة، وهذا مُتَأَتٍ عند شاعرنا في سِيَاقِ المُبَالغةِ البيانيَّةِ إبرازاً لحجمِ المساحةِ التي يعتليها ويغطيها العارُ في مسيرةِ الأمةِ وواقعها.
وإذا كانَ الشِّعرُ مجالاً لبثِّ العاطفةِ المُشْتَعِلَةِ بالأحاسيسِ وما يرتجُّ في القلبِ والوجدان، وصولاً إلى الحِكمةِ الرَّفيعةِ والصُّورةِ الخَلُوبِ الآسرة، فإنَّهُ في إبداعِ سعد الدِّين شلق الذي بين أيدينا، قد تسامى إلى فِكْرِيَّةٍ رُؤيويَّةٍ شاهقةٍ وعليَّة، حينَ شَخَّصَ الدَّاءَ، ووضعَ إصبعَهُ على مكمنِ الألم وسرِّ الوجع. يقولُ صاحبُنا مُبيِّناً ما اقترفَهُ حكامُنا من آثامٍ وإجرامٍ بحقِّ أُمَّتِهم:
” والحاكمُ العَربيُّ عُظِّمَ أجرُكم
أعمى، أصمُّ، وفوقَ ذلكَ أبكمُ”.
إنَّ شاعرَنا عندما يوجِّهُ سِهامَ اتهامه للحاكمين في بلادِنا، فإنَّما يتَّهمُ مَنْ بأيديهم زِمَامُ الأمرِ والقُوَّةِ والمَنَعَة، والذين لو أرادوا وضعَ حَدٍّ لزمنِ الخذلان والهزائم، لفعلوا، فهم القادرونَ على مواجهةِ العدوِّ الغاصب، وعلى تقويضِ مَشاريعِ المُسْتَعمِر الكائد، لكنَّهم ليسوا من الأُمَّةِ وكتابِها وآمالِها في شيء، لأنَّهم وُجُدوا قادةً وزعامةً في بلادنا بتدبيرِ القُوى الاستعماريَّةِ التي أوجدت كيانَ يهود في فلسطين، وذلك في أداءٍ وظيفيٍّ لِحِمَايةِ مصالحِهم في المُسْتَوياتِ الفِكريَّةِ، السياسيَّة، والاقتصاديَّة. ولعلَّ العودةَ إلى التَّاريخ، وقراءةَ وثيقة “كامبل بنرمان”، يُؤكِّدُ لنا ما أشرنا إليه، لجهةِ وظيفيَّةِ هذا الكيان الصهيوني الغاصب، ووظيفيَّةِ الأنظمةِ المنبثقةِ من رحم “سايكس بيكو”، حيثُ تشتركان في تحقيق الإرادة الاستعمارية ومصالحها المُشارِ إليها سابقا.
وفي هذا السِّياقِ، يقولُ شاعرُنا مؤكِّداً ما أتينا عليهِ ببيانٍ واضحِ، ولا لبسَ فيه لجهةِ مسؤوليَّةِ هؤلاءِ الحُكَّام عمَّا أصاب الأمةَ وفلسطين من أوصابٍ وويلات:
” إنْ كانَ صهيونٌ بلاءً قاتلاً
فبلاؤنا بهم أشدُّ وأعظمُ
كيفَ الخَلَاصُ ومَنْ تولَّى أمرَنا
وغدٌ، عليه مِنَ الصَّهاينِ قَيِّمُ”.
نعم تلك هي الحقيقةُ المُرَّةُ التي تحرقُ الفُؤادَ، وتُزيغُ الرُّؤيا في العقلِ والرُّوع، حيثُ يقومُ علينا قادةٌ حاكمونَ بالمَكْرِ والبَطْشِ، وبالظُّلمِ والعَسْفِ والاستبداد، وهم في واقعِ الحالِ لِمَنْ يسمعُ ويرى، صنيعةٌ من صنائعِ العَدُوِّ المحتلِّ الغاصبِ وأسيادِهِ الغربيين ذَوِي العَقليَّاتِ البراغماتيَّة والميكافيليَّة، والذين يقيمون في وادٍ محيلٍ، وليسَ فيه من منظومةِ القِيَمِ سوى القيمةِ الماديَّةِ التي تُقيمُ مصالحَ الآخرِ الغاصبِ والمُستَعمِرِ، قبل أيِّ شيء آخر. وهذا سيكونُ بالتأكيد على حساب شُعوبِهم وأمَّتِهم، وحتَّى لو تَذَوَّقَتْ الأُمَّةُ وشعوبُها المَوتَ الزُّؤامَ، ولعلَّ ما جرى في غزَّةَ وفلسطين المحتلة، يعتبرُ أكبرَ شاهدٍ على ما قلنا حول هؤلاءِ الحُكَّام- الأدواتِ القائمينَ بمشيئةِ الآخر العدو!.
ورغم هذه المشاهد العتيمةِ التي بيَّنها لنا شاعرنا الفذُّ سعد الدِّين شلق، إلَّا أن الأمل بالتغيير يبقى فكرةً للعيشِ، ومجالاً لآتٍ يعلو كالبلسمِ فوق الآلآمِ والأوجاع، بل يبقى كالنُّورِ السَّاطعِ الآتي، والذي سيبدِّدُ الدَّيجورَ والظَّلام. وكأنِّي بشاعرِنا القديرِ وهو يختمُ ميميَّتَهُ العميقةَ الرَّائعة( أمة الأعراب )، يجالسُ الأملَ بآتٍ من شُمُوخٍ وسُؤدد!.
يقول:
: “يا خالدَ اليرموكِ ساحُكَ عُطِّلتْ
وعلى مآثرِكَ السُّيوفُ تَرَحّمُ”.
إنَّهُ خطابٌ مفتوحٌ إلى خالد بن الوليد، خطابُ الأملِ بالآتي المُزغردِ فرحاً ومجداً وانتصاراً. وكأنَّ التَّاريخَ يغدو مُستقبَلاً مُتْرَعاً بآياتِ الفتحِ والصَّهيلِ المجيد. بل كأنَّ شاعرَنا المؤمنَ يؤكِّدُ على ما قالته الروائيَّةُ التركيةُ “إليف شافاق” في روايتها( قواعدُ العشق الأربعون ): “إن عُشَّاقَ الله لا ينفدُ صبرُهم مطلقاً، لأنَّهم يعرفون أنه لكي يصبحَ الهلالُ بدراً، فهو يحتاجُ إلى وقت”.
ويتابعُ سعدُنا الأصيلُ خطابَهُ الأَميلُ إلى خالد بن الوليد:
” إعصارُ عزمِكَ لمْ يزلْ مُتَدَفِّقاً
ونِداكَ ملء الخافقين يُزمزمُ
صَاحٍ برُغمِ المَوتِ في حِضْنِ الثَّرى
لَتَكَادُ تنفرُ للجهادِ الأعظُمُ
فجرٌ على الأجفان نرقبُهُ غداً
في كلِّ جُرحٍ راعفٍ يتبسَّمُ”.
هو ذا يقينُ المُثقَّفِ المُبْدِعِ، يبقى عميقَ التَّجَذُّرِ، صَفِيَّ النُّسْغِ، بَهِيَّ الطَّلعةِ، لا يعرفُ السُّقوطَ والذُّبول. بل إنَّ إعصارَ عزمِهِ يتدفَّقُ دوماً آمِلَاً بالعطاءِ، وبالولادةِ الفَيْنِيقيَّة المُبَشِّرةِ بحياةٍ جديدةٍ مدَاهَا العِزُّ، وملؤها المجدُ، وآتيها خارجٌ على ذُبُولِ الماضي إلى ياسمينِ القابلِ العَليِّ النَّضيرِ والشَّجيّ. وهنا يؤكِّدُ لنا شاعرُنا السَّعدُ بأنَّ روحَ خالدٍ بنِ الوليد، لم ينلْ منه المَوْتُ، بل هو صاحٍ في حِضْنِ التُّرابِ، بل فوقَ ذلك، يتحفُنا شاعرُنا البهيرُ بصورةٍ خَلُوبٍ تقومُ جماليَّتُها على تصوُّرِ عظامَ الخالدِ تخرجُ من لحدِهِ على هيئةٍ مُكَلَّلةٍ بالنَّفيرِ إلى القتالِ والجهادِ في سبيلِ الله تعالى، ومن أجلِ إعادةِ الحقِّ إلى نصابِهِ والعدلِ إلى مقامِهِ الرَّفيعِ، فتحيا الأرضُ بنورِ خالقِها وأمانِهِ الذي لا يُضام.
وإنَّنا لنلحظُ ذيَّاكَ الفَجْرَ المُتْرَعَ بهالةِ النَّصْرِ الذي صاحبَ سيرةَ خالد بن الوليد وفُتوحاتِهِ الكثيرة، آتياً غداً، أو بعدَ غدٍ، على تلك الصُّورةِ البَسِيْمَةِ التي رسمتْها ريشةُ شاعرنا الشَّلق من نزفِ الجِرَاحِ الرَّاعفةِ، والتي حفرتْ حُضُورَ البَسْمَةِ في أحمرِ الدَّمِ، إشارةً إلى الصَّباحِ العتيد، والانتصارِ الأكيد، والذي يبشِّرُ به دوماً عطاءُ الدَّمِ والشَّهادة…!.
مَروان مُحمَّد الخطيب
15/1/2025م
———————
*أنظر ديوان: ” قصائد في القدس الشَّريف”، الصادر عام 2023م، عن ” هيئة تكريم العطاء المميز “، و” منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحادة الثَّقافي “.