كتب الإعلامي الدكتور باسم عساف في جريدة الشرق – بيروت :* *تغيير القواعد … بين اللعبة واللعبة…*

 

*ظهرت إلى العلن ، ومقدمات نشرات الأخبار ، والتداول بها عبر الحديث عن الحرب الدائرة في جنوب لبنان وهي تحمل عنوان : *(قواعد اللعبة)* ، وهي تنطوي على تفسيرٍ واحدٍ لا غير : أي أنَّ هناك إتفاقٌ على شروطٍ معيّنة تحدٌد مهام ومسار ونوعية وحدود وتوقيت اللعبة ، التي تُعتَمد في الإتفاق لخوضها بشكل مشترك ، ربما بين طرفين أو أكثر ، ولكِّنَّ الخوض فيها ضمن الشروط المعتمدة لها في اللعب بالمكان والزمان المتفق عليه ..
هذا الأمر ينطبق على كل الألعاب بين بني البشر فقط ، لأن عالم الحيوانات لا توجد بينهم ألعاب ، إنما تطبق بينها غريزياً قانون الغاب ، الذي يعتمد على أن : (الفوي يأكل الضعيف ، والغلبة فيها للأقوى) وهي منذ بداية الخلق تعتبر الشريعة السائدة في عالمهم ، أما في عالم البشر فالصراع دائرٌ بينهم على قاعدة : الحق والباطل ، إذ أن ميزة العقل عند الإنسان وتعاليم الخالق للخلق ، تحدِّد مسار ومسيرة الحق ، وأن وجود الشيطان ومكائده للإنسان تحدد إتّباع الشرور والباطل ، وهذا ما هو موجود منذ بداية الخلق مع آدم وحواء …
*وهنا يكمن السِّرُ في هذا الصراع المستمر منذ بَدءِ الخليقة ، وكما ورد عن الشيطان الذي توعد بكلماته : (فبعزَّتك لأغوينهم أجمعين) …
فكان ردُّه : (إلا عبادَك منهم المخلصين )…*
نعود إلى قواعد اللعبة ، حيث هناك ألعابٌ كثيرةٌ يتداولها البشر في حياتهم ، ومنها محليّة ، وفق كل بيئة ومجتمع وعادات وتقاليد ، كألعاب التسلية والترويح عن النفس ، فلها قواعد اللعب فيها ، كما هو متفق عليه في كل مجتمع كألعاب المراهنة والميسر والقمار ، أو ألعاب الداما والدومينو والشطرنج ولعب الورق وغيرها… ولكلٍ منها قواعد وشروط اللعبة ، ولا يمكن تجاوزها، وإلا تكون اللعبة باطلة ، وهناك ألعاب أخرى رياضية على سبيل المثال ، فلها قواعد وشروط لكل منها بالعدد والعدة والطريقة والوسائل المعتمدة لها والتوقيت والمكان محلياً أو عالمياً …وهي محددةبالإلتزام والعمل بها ، وأي خروج عن قواعد اللعبة يعرّضها للإلغاء أو الإعادة …
*أيضاً الألعاب البشرية تتعدد وتتنوع لتشمل الألعاب الإلكترونية والكهربائية والمائية والثلجية والنارية وغيرها مما يشغل بال ووقت الذين يخوضونها وفق تطبيق قواعد اللعبة لكل منها ….*
طبعاً في كل لعبة من الألعاب البشرية ، يدخل الشيطان من باب الصراع الدنيوي لإغواء الإنسان ، فيحول العديد من هذه الألعاب إلى العبث والتخريب والإضرار ببني البشر فيحول الصراع معه إلى الصراع بين الشر أنفسهم ، بإثارة النفوس وتأليبهم على بعض وإيجاد الخسارة والربح بينهم لإثارة الحقد والحسد والضغائن ، وجعلهم في تنافر بدل التلاقي ، لتصبح ألعابهم وتسلياتهم للتحدي والتفريق ، وإيجاد روح الغلبة بالتنافس السلبي ، الذي يثير العصبية والكره ، فتتحول هذه الألعاب ، التي وجدت لأجل التنفيس والترويح عن ضغوطات الحياة ، لتكون هي الضاغطة على الحياة البشرية ، لأنها إنحرفت عن قواعد اللعبة…*
إن أتباع الباطل الذين يشكلون في غاياتهم السوداء مجموعة شياطين الإنس ، وهم الذين يُعرَفون بالمفسدين في الأرض ، وقد أفسدوا الحياة البشرية ، من خلال تعاليمهم الخيالية ، التي أفرزوها من أطماعهم التلمودية ، فأطلقوا بروتوكولاتهم الصهيونية ، وتحولوا إلى عالم الحيوان بالشهوانية ، وإستخدام القوة للوصول إلى الغاية السُلطوية ، والهيمنة على العالم بالقوة العسكرية والمالية ، لتحقيق الوعود الشيطانية ، بالتغلب على المفاهيم الإنسانية ، وإلغائها بالألاعيب البهلوانية ، وإستخدام الإغراءآت بالحرب النفسية ، والغاية الكبرى تكمن بتحقيق الهيمنة العالمية …*
*كل ذلك جعلهم يلعبون بالنار وإستخدام القوة والحروب ، بطرق مختلفة وبأساليب ماكرة وملتوية ، فإستخدموا قاعدة : (الغاية تبرر الوسيلة) ، حتى لا تكون هناك شروط قواعد اللعبة ، معتمدة في أي تحرك لهم ، إنما يستخدمونها لدى الآخرين حتى يكبلونهم بها ، ويتصرفون هم على هواهم ومزاجهم ، وأهم مثال بذلك ، تمّ بإنشاء هيئة الأمم المتحدة ومتفرعاتها من المنظمات الدولية ، لتطبق من خلالها كل المخططات ، التي تدعم بروتوكولاتها وتساند كل مقرراتها ، التي إعتمدتها في الحركة الصهيونية العالمية ، والمؤتمر اليهودي العالمي، الذي أنتج قيام الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين ، وقد أقرّته الأمم المتحدة سنة /١٩٤٨ /بإعلانها دولة إسرائيل …*
*لقد تجاوزت أصول اللعبة لصالحها رغم إقرار : (حرية الشعوب بتقرير مصيرها ، وإقرار حقوق الإنسان بالعيش الكريم ، ومنع الإحتلال والتعدي على أراضي الغير ، ووووو ) ، وكأنها تبخّرت وباتت هباءً منثورا …*
*هنا على أرض فلسطين قد بدأت اللعبة بين حكامها وحكام المنطقة العربية بإتفاقات إذعان من السلطات المحتلة يومها ، إنكلترا وفرنسا حيث تم الإتفاق بينها بمعاهدة سايكس – بيكو ، ومع اليهود بوعد بلفور ، ومع الشرفاء العرب برسائل مكماهون ، وتكرّست قواعد اللعبة فيما بينهم جميعاً ، ليتجسد قرار قيام دولة إسرائيل في الأمم المتحدة ، وقد نفذ الزعماء العرب قواعد اللعبة تماماً كما تم الإتفاق معهم ، بينمتا الكيان الصهيوني هو فوق القانون وفوق القواعد ، إذ بدأوا بعد التقسيم للأرض ، بمدّ إحتلالهم وإستيطانهم للقرى والبلدات الأخرى من فلسطين ، لتقضمها واحدةً تلو الأخرى ، بمجازر وتشريد وإبادة ، قد أعدّت لها مجلس الأمن ، وسيطرت عليه بإعتماد الفيتو للدول الراعية والمساندة الأربع الكبرى ، والتي أضيفت الصين لها ، لتكوِّن الدول الخمس الكبرى ، التي تجيد تطبيق قواعد اللعبة في الأمم المتحدة …*
أما اليوم ، وما يجري في فلسطين عموماً ، وما يجري في قطاع غزٌة خصوصاً ، فإننا لا نجد مطلقاً أي قواعد للعبة ، حيث أنٌ الصراع بات مباشراً بين الحق والباطل ، وفي حربٍ ضروسٍ ليس فيها أي لعبة ، إنما الإبادة والقتل والإجرام والتشريد والتدمير ، قد تجاوز كل الألعاب ، وبدت الأنياب والمخالب على حقيقتها بالإمعان في إبادة الشعب الفلسطيني ، غير عابئين بأي قرارٍ أمميٍ ولا أيّ حكمِ قضائيِ دولي ، والذي ينفذ حالياً في العالم البشري هو قانون الغاب الحيواني ، وإستخدام القوة بأسلحة الدمار الشامل ، بات هو الذي يتكلم ، ومن دون أي صوتٍ يعلو في الأمم أو مجلس الأمن ، أو محكمة العدل الدولية ، أو أي منظمةٍ أخرى تدّعي حقوق الإنسان ، حيث أن قواعد اللعبة لا تسري على الكيان الصهيوني ولا على الحركة الصهيونية العالمية ، وحيث تؤخذ معها الدنيا غلابا ….*
إن الجنوب اللبناني ومعه ساحات المساندة التي توحّدت لدعم المقاومين في غزة ، والتي فُتِحت جبهاتها على أساس إتباع قواعد اللعبة ، قذيفة بقذيفة ، وصاروخ بصاروخ وأي إعتداء يكون له الرد المناسب ، وأن جبهة الجنوب قد فتحت لإلهاء الجيش الإسرائيلي ، والتخفيف عن ضرب غزة ، وقد شهدنا مع هذه القواعد التجاوزات والإنحرافات العديدة ، في المكان والزمان والعدّة والعدد ، وإستخدام القوة وأساليبها الماكرة ، في إستهداف القادة والإغتيالت الموجهة لهم ، والتدمير لمنازل المدنيين ، والقصف للبنى التحتية على كل الجبهات ، وفي كل الساحات ، وأيضاً التعدي على رجال الإعلام والإنقاذ والمسعفين ، بما يفوق التصور في كل حروب الأرض ، وقواعد اللعبة تسري على شعبنا وأهلنا ومقاومينا ، في ظل أنها لا تعنيهم بمكانٍ ولا زمانٍ ، غيرَ عابئين بها ولا بالرأي العام الدولي ، الذي ننتظر منه كلمة الفصل ويبدو معها ، أنه لا حياة لمن تنادي …*
إن قواعد اللعبة قد جعلت هؤلاء المفسدين يتطاولون على البشرية جمعاء ويتحدّون العالم بالصلف والعناد والجنون ، على المثل القائل : *(يا فرعون مين فرعنك ، فقال : ما حدا واجهني وردني )*، وبهذا يكون المفسدون من أهل صهيون ، هم الغالبون …*
*بينما عملية طوفان الأقصى ، والصمود والثبات من أهل غزة، يعطوننا المثل والمثال ، أن المقاومة الحقيقية تعتمد على المواجهة والدفاع عن الأرض ، ولو بصدورٍ عارية ، دفاعاً عن الحق في تقرير مصيرهم ، مقابل الباطل في الإحتلال والإبادة ، والدليل على ذلك : بأن القوة لا تغلب الحق ، ولوتمادت وأمعنت وأجرمت ، لأن الإرادة والإخلاص والثبات دون خيانة ، هو الذي يجلب النصر كما في غزّة اليوم وبعد عشرة أشهر من القتل والقصف والتدمير ، دون تحقيق أي شرطٍ من شروط الغزو لغزة ، والعبرة فيها هي في تغيير قواعد اللعبة لتكون المواجهة حقيقية لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ، والتخلي عن اللعبة وقواعدها ، التي أضَرّت بالأمّة على مرِّ التاريخ والجغرافيا ….*