*كتب الإعلامي الدكتور باسم عساف في جريدة الشرق – بيروت :* *لغة المرجلة … خطاب المرحلة …*
*يعيش العالم أجمع ، أجواء التصعيد السياسي ، ضمن البلد الواحد بين الأحزاب المتنافسة على السلطة والمال ، وعلى التناحر لأجل إمتلاك مراكز القوى ، والهيمنة عليها للنفوذ الحزبي أو الشخصي ، وأيضاً بين البلدان المتجاورة والخلافات على ترسيم الحدود أو التوسع لإحداها على حساب الآخرين ، أو في صراعاتٍ لأسبابٍ دينيةٍ وعقائديةٍ وفكريةٍ ، قد تطيح بشعوبٍ أو دولٍ لغايةٍ في نفس يعقوب ، أو من خلال التصعيد الحربي ، لأطماعٍ في المغانم الإقتصادية أو الصناعية ، وما تكتنز أراضي الغير من ثرواتٍ طبيعيةٍ أو إنتاجيةٍ ، تفيد بالإستقواء أو السيطرة على أوسع نطاقٍ جغرافيٍّ أو إستراتيجيٍّ ، يفيد الإستغلال والإحتلال …*
من هنا تدخل الدول في الصراعات الداخليّة والخارجيّة ، أكانت محليّةٍ أو إقليميّةٍ أو دوليّةٍ ، وفق أهداف الصراعات ومرادها ، وعليه تدخل مستلزمات الصراعات ضمن روزنامة وجدول المواجهات ، التي تتطلب المدّ والجزر ، والترغيب والترهيب ، وكل أساليب الحروب النفسية التي تعتمد على الإشاعات ، وهي التي تتضمن الكلمات والمعاني عالية السقف ، إما بالتهديد والوعيد ، وإما بتصوير الأمور على أن القوة وإبرازها ، بمشاهد الإعداد وإمتلاك أقوى الأسلحة ، وأحدث الأنظمة الفتاكة ، بالصواريخ والأعتدة الحربية ، التي لا تبقِ ولا تزِر ، كما جرى في مصر أيام عبد الناصر ، وما جرى أمام الكيان الصهيوني بإستعراض القوة في إظهار صواريخ الظافر والناصر والقاهر ، وذلك لتخويف العدو أو الخصم ، لأجل أن يخنع ويخضع لشروط القوة ، ولإختصار المواجهة الميدانية المكلفة في المال والرجال …
*إن ما يجري للدول ، يسري على الأحزاب والفئآت المتناحرة على السلطة والمال ، أو السيطرة وإمتلاك الأحوال ، وربما تأخذ الأساليب نفسها ذات الدور في المواجهات والصراعات ، ولكن بمشاهد أخرى ، وفق المعطيات التي تستوجبها الظروف ، أو ما تتطلبه هذه الصراعات من إستخدام الوسائل ، التي توصل هذه الفئآت إلى غايتها بأقل الخسائر وأوفر الأوقات ، ولكن مع أشد المواقف والتصريحات ، التي لا تكلف مطلقها سوى المرجَلة والكبرياء ، ولو جاء ذلك على صيغة (النمر من ورق) ، والكلام المنمَّق عن الإنتصارات الدائمة وقهر الأعداء ببسالة أصحاب الهمم والعزائم التي لا تقهر …*
وما يجري للدول وللأحزاب والفئآت ، قد يسري على الأفراد والعشائر ، في التناحر المحلي والصراع على الأملاك أو الأراضي ، أو على توزيع المياه ، أو النفوذ المحلي ، كزعامات شعبوية وزعامية ، على العشيرة أو العائلة أو الحارة والمنطقة والحي والشارع ، وكان ذلك يجري بتسابق مع الزمن وكأنه وصل لآخر الدنيا ، أو التنافس عل إمتلاك عصا الطاعة ، والتقيُّد بالزعامة أو المرجعية السائدة ، وما يرافقها أيضاً من إستخدام القوَّة والتنمُّر والمرجلة ، لإسكات أيِّ صوتٍ معارضٍ ، أو أيّ تحرُّكٍ مضادّ ، قد يخطف كل المكتسبات ، التي باتت معكوسةً على العادات والتقاليد ، وما يجري أيضاً من تنمُّرِ أفرادٍ على الآخرين ، أكان في مكان العمل ، أو المدارس والجامعات ، أو أكان ذلك في الشوارع والحارات الشعبية ، لأجل أن ينبري أحدهم أو مجموعة أفراد ، لفرض الهيبة ، أو الخوة أو القوة ، التي يحصلون من خلالها ما يبتغون ، وجميعها تصبُّ في درب السلطة والمال ليس إلا ….
*كل ذلك مردُّه إلى الفوضى ، وعدم تطبيق الأنظمة والقوانين الدولية بالنسبة للدول والمنظمات ، وأيضاً المحليَّة بالنسبة إلى الأفراد والجماعات والعشائر ، ولا يمكن للفوضى أن تستشري ما لم يكن الفساد هو سببها ومسببها ، فهناك العديد من الدول ، التي تعتدُّ بالقوَّة والسلاح والأهداف الجهنمية ، تراها تتجاوز حدودها وإلتزاماتها بالقوانين الدولية وبالنظام العالمي ، الذي يحفظ حق الشعوب بتقرير مصيرها ، ويحفظ حريتها بالإختيار للنظام المعتمد ، لتطبِّقه في بلدها ، والعمل بما ترتضيه الشعوب ، وفق بيئتها أو إختيارها لما يصلح للحكم فيها …*
هذا ما حفظته ودوَّنته الأمم المتحدة في سن قوانينها ، التي تضَمَّنت حفظ حقوق الإنسان والحريات العامة ، بدءاً من المعتقد ، إلى الإعلام ، إلى التعبير ، إلى العيش الكريم ، جسدياً وصحياً وغذائياً ، وفي العلم والعمل ، لكل فئآت المجتمعات دون تمييز ، وقد بقيت هذه المبادئ والقوانين حبراً على ورق ، في ظل تصدُّر وسيادة الفساد والمفسدين على الحكم الدولي أو المحلي وعلى كل الصعد …
*كما هو عصر السرعة ، وعصر الذكاء الإصطناعي ، والتكنولوجيا الحديثة ، والوسائل الباهرة المتطورة ، التي لم يعُد للإنسان الذي إخترعها ، أن يسابقها في التأثير وتحقيق النتائج المميزة عما كان يقصدها ، وأفلتت منه زمام الأمور ، ليلحق بها ويسارع لإتباعها ، بدلاً من التحكُّم بها ، لحسن سير العالم بالإتجاه الصحيح ، الذي يعطي للبشرية إنسانيتها ، بدل أن تكون قطعةً من هذه الآلة ، التي إمتلكها المفسِدون للسيطرة على العالم والتحكُّم بالشعوب ، وفق أهوائها ونزواتها وغاياتها السوداء ، التي تعمي البصيرة قبل البصر …*
من هنا قد تبدل الخطاب وتغيرت الأحوال ، لترى أن القوي هو الحاكم بقوته ، دون مقياس الحق والباطل ، ودون إتخاذ الأمر وفق القوانين والشرائع والأنظمة ، لأن المُفسدين وعملهم بالفساد ، لا يمكنه التقيُّد والإلتزام بها ، وإلا لما سُمُّوا بالمفسدين ، والإشارة على أعمالهم بالفساد ، خاصَّةً في أيام وأجواء الإعتداءآت على حقوق الآخرين ، بأي مصيبةٍ قد حلَّت بالمظلومين والمحرومين ، وأيضاً خلال الحروب ، التي تجري بها كل الأعمال المشينة ، والمحرمات دولياً وشرعياً ، والتنمُّر محليّاً وإفراديَّاً ، خاصةً بإستخدام أساليب التهديد والوعيد ، المعتمِد على القوَّة والإستعلاء والإستغلال ، الذي يعمُّ الأرض …
*لقد بات العصر ، هو عصر الكذب والنفاق ، بحيث يتم التصريح بكلام معيَّن، والتنفيذ بأعمال أخرى ، وبات الأمرُ شبه طبيعيٍ عند المفسدين ، غير مبالين بقوله تعالى : (كَبُرَ مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون )، وهكذا باتت لغة المرجَلة هي خطاب المرحَلة ، في ظلِّ السكوت عن إحقاق الحق ، مهما كان الظالم متجبراً بقوَّتِه ، فالحقُّ أحقُّ أن يُتَّبَع …*