*كتب الإعلامي د. باسم عساف :* *المسيرة الحريرية … في الحالة السريرية …*

 

*مع تجسيد إتفاق الطائف ونتائجه ، التي باتت ضمن الدستور اللبناني ، برزت صورة الشيخ رفيق الحريري بتشجيع من خادم الحرمين الشريفين ليكون مشرفاً على تطبيق الإتفاق ومن ثم رئيساً للحكومة الإنقاذية ، التي إتّخذت شعار الإنماء والإعمار ، والتعايش والتضامن ، للخروج من آثار سنوات الأحداث العجاف ، الني إجتاحت لبنان بأقسى المشاهد ، التي خرَّبت الدولة ومؤسساتها ، وكل الأجهزة والسلطات الراعية للشعب اللبناني ، والتي كانت أبرز الأهداف للحكومة اللبنانية الجديدة بعد الطائف ، والتي نجح بها الرئيس الشهيد ، بإخراج البلد من أتون الحرب وآثارها ، وإعادة الحياة الطبيعية ، وإحلال الأمن والسلام والطمأنينة للجميع …*
ومع هول الفاجعة التي ضربت لبنان من أقصاه إلى أقصاه ، بإستشهاد الرئيس رفيق الحريري ، بدأت الآمال العريضة ، التي بناها والتي جسَّدها بالإعمار والإنماء والتعايش ، على مدى حوالي خمسة عشر سنة ، من الأمن والأمان والحركة للبنان والبركة للبنانيين ، قد بدأت بالتلاشي والإنحسار ، حيث دخل لبنان بمعتركٍٍ جديد ، وإنقسام البلد إلى فئتين ، بما سمِّيت :/ ٨/ و/١٤ آذار ، بعد إنسحاب القوات السورية من لبنان ، وبات الشرخ يزداد بالتحدي والتجاذبات ، والتهديد والوعيد بالساحات ، وفي الشوارع وحصار السراي الحكومي تارة ، وبالإغتيالات طوراً ، إلى أن جاء إلى رئآسة الحكومة الرئيس سعد الحريري ، وإستعادت مسيرة الشهيد رونقها ، وباتت مع الأيام تياراً شعبياً حركياً ، له مؤسساته وأنشطته ، على أكثر من صعيد وأكثر من منطقة لبنانية ، حتى وصل عدد أعضاء كتلته ، إلى أعلى رقم بين الكتل الأخرى ، ولها التأثير الأكبر في القرار اللبناني ، وترى ذلك في المجلسين النيابي والوزاري وبات التيار يمثل الثقل السني في مواجهة الأثقال الأخرى من بقية الطوائف اللبنانية رغم المنحى الوطني العام الذي إنتهجه .ولكن هكذا هو لبنان وتركيبته …
*بعد الوصول إلى القمة بالعدد والعدَّة ، حيث باتت كتلة المستقبل هي بيضة الميزان في السياسة اللبنانية ونقطة الإرتكاز للنظام والدولة ، حيث باتت شبه الوحيدة ، التي تنادي ببناء المؤسسات ، في ظل أن الكتل الأخرى تنادي بالتجييش ودعم مراكز القوى لها ، في كل المواقع النيابية والوزارية والإدارية والقوى الأمنية ، وجميعها تتحرك فيها على الوقع الطائفي والمذهبي ، حتى وصل بها الحال لطرح القانون الإنتخابي المسخ ، الذي يعتمد على المناطق ذات الأغلبية المذهبية والصوت التفضيلي واللوائح المعلبة بالرقم الأعلى ، وكان هذا الإخراج الشيطاني ، مدعاةً للتنافس على الرقم الصعب للكتل البرلمانية ، ذات الإتجاه المذهبي ، والتفاخر بالأعداد التي كانت سبباً لمجيء الرؤساء ، وفق هذه القاعدة المتعالية على الديموقراطية ، وعلى النظام اللبناني ككل ، ليدخل البلد بنظام المحاصصة وتوزيع المغانم على كل الصعد ، حيث دخل معترك التجارة السياسية والطائفية ، فكان الخاسر الأكبر فيها الرئيس سعد الحريري وكتلته ، والذي دارت الدائرة عليه و ولم تعد تنفع معه النوايا الطيبة ، أو التساهل بكل شيء مقابل تسوية الأمور ، ونزع الإحتقان وسحب الفتن من الشارع ، والتي كانت مدبَّرة للوصول إلى إضعاف كتلة المستقبل ، وما تمثله من ثقل سني على الساحة اللبنانية ، وما تمثله المسيرة الحريرية وإرث الشيخ رفيق وإنجازاته …*
كثرت السكاكين التي تهيأت للذبح والتضحية ، بعد أن تعثرت كتلة المستقبل ، وبات رئيسها هو الهدف من الذبح ، وهو يردد: *(قتِلتُ يوم قتِل الثور الأبيض)* ، ومع سلسلة التنازلات ، من قانون الإنتخاب ، إلى التبدل بإختيار المرشحين لرئآسة الجمهورية ، إلى الموقف من قرار المحكمة الدولية وتنفيذه على المحكومين المجرمين ، ومن ثبُت تورَّطهم ، إلى التهاون بتشكيل الحكومات في ظل عهد جهنم وجلاوزته ، إلى سقطاتٍ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ بالمساومات ، التي أدت إلى الخسارة الكبرى سياسياً ومعنوياً ومادياً ومالياً وطائفياً ، حيث إرتدَّ كل ذلك على الطائفة السنيَّة ، والكتلة المستقبلية ، والأحوال ااشخصية للشيخ سعد ، مع عائلته وأقاربه وأعوانه ، وبقية المتعاونين داخلياً وخارجياً ، مما حدا به لإتخاذ القرار المصيري بالإعتزال وما زال ….
*جرت بعد ذلك عدّة محاولاتٍ لردم الهوّة السحيقة ، التي حدثت من بعد هذا الزلزال المدمِّر ، للطائفة وللكتلة وللعائلة ولمسيرة الرئيس الشهيد ، وأيضاً تحركت بعض الجهات لرأب الصدع ، وجمع الشمل على كل الصعد ، التي تأثرت بهذا الشرخ ، ولكن المصيبة التي حلّت ، كانت أكبر وأعظم من دعواتٍ شخصيَّةٍ أو مصلحيَّة ، لم ترتق إلى مستوى المسؤولية ، في الطائفة والكتلة البرلمانية التي تمثلها على الساحة السياسية ، رغم دعوات سماحة مفتي الجمهورية لها ولم تنجح ، ورغم دعوات رؤساء الحكومات السابقين لتشكيل مرجعية سياسية ولم تفلح ، ورغم محاولاتٍ للبعض ممَّن ترشح للنيابة من أجل إستعادة الدور لكتلة المستقبل ، ولم تستطع أن تمسك بزمام الأمور ، وباتت تمثل التمثيل الشحيح بالشرذمة والأنانية …*
بقيت الحالة المعكوسة على الإعتزال ، تمُرُّ بحالة الإكتئآب والإنزواء على كل الطائفة السنية ، والحالة الحريرية ، والعائلة التي أصيبت بالفراغ الكبير ، والتشتيت من دون أي تحرك لجمع الشمل ، والظهور بمشهد العائلة المتماسكة كما كانت في عهد ومسيرة الرئيس الشهيد ، إذ باتت الإختلافات في وجهات النظر ، كما المبدأ في تكملة المسيرة ، من كل أفراد العائلة ، وفي مقدمتهم الإبن الأكبر الشيخ بهاء ، الذي صرَّح مراراً وتكراراً ، قبل وبعد التنحي والإعتزال من شقيقه الشيخ سعد ، بأنه سيُكمِل مسيرة والده ، ويستجمِع الحالة الحريرية على الطريق التي خطَّته أياديه بعد الطائف ، وخوض الإنتخابات النيابية الماضية ، بعد مقاطعتها من قبل الشيخ سعد وكتلته المستقبلية ، تحت شعار : *(سوا للبنان)* …
*دخل الشيخ بهاء من الشباك إلى هذا المعترك ، كردَّة فعلٍ على خطوة شقيقه ، ولم يدخل من الباب الواسِع لمسيرة الرئيس الشهيد ، الذي يبدأ من الإرث العظيم ، الذي تركه للعائلة ، المشهود لها بالعطاء والكرم ، والإنماء والإعمار ، والإنجازات على كل الصُّعد وخاصَّة للطائفة السنِّية ، بمرجعيةٍ ثابتةٍ وقويةٍ في لبنان وخارجه ، ومسيرته لم تشكل حزباً يُضاف إلى أعداد الأحزاب ، وما أكثرها في لبنان ، حتى ولم يأخذ طابعاً طائفياً ليجاري بقية الفئآت التي تبني مراكزها عليها ، ولم يكن لمنطقة دون أخرى كما يتمترس معظم السياسيين الشعبويين ، ولم يتمحور في أي صراع محلي أو إقليمي أو دولي ، ليرى بعينٍ واحدةٍ لكل الأحداث التي تجري بالداخل والمحيط …*
هذا الباب الواسع لم يتعرف عليه الشيخ بهاء ، سوى أنه ورث الإسم الحريري ، ليطلع ويظهر به أمام الناس ، بأنه سيكمل مسيرة الرئيس الشهيد ، وكيف لم يدخل من بابها الواسع ، الذي يبدأ من الإسم والعائلة أولاً ، وخاصةً بالتوافق مع الرئيس سعد ، ليبارك تكملة خطواته الأولى ، ثم ثانياً مع الطائفة وأركانها ، بدءاً من مركز الإفتاء الأول ، إلى كل الناشطين بالطائفة ، ليطرح معهم رؤيته ، في تحمل هذه المسؤولية الكبرى بعد هلاكها بالتفرق والتشرذم والإنحلال …
*وبعدها يدخل من الباب الوطني الواسع ، ليكون محاوراً مع بقية التيارات والأحزاب والفئآت والطوائف والمذاهب ، لأخذ الموقع الملائم الذي يمثله ، كما كان والده مع الجميع ، لا أن ينعزل عنهم جميعاً في تحركات شعبية لا تصب في هدف إحياء مسيرة الرئيس الشهيد سوى بالمظاهر والشعبوية والصور والمشاهد الفولكلورية ، بعيداً عن الإنماء والإعمار ، وتحصيل حقوق الطائفة وحاجات أهلها ، بالطرق السليمة والنظامية المعهودة…*
إن العودة إلى لبنان وأرض الوطن ، بعد هجرانٍ قد زاد عن خمسة عشر سنة ، لم يكن فيها أي أثرٍ أو موقفٍ يَصُبُّ في دعم مسيرة الحالة الحريرية ، التي تعود لوالده الشهيد ، الذي صَرَّح بأنه سيأخذ بحقِّه ، ويثأر له بتنفيذ الحكم الدولي ، وأين منه الآن ، وهو يدخل إلى الساحة من شبَّاكها الضيِّق ، عبر إجراء اللقاءآت مع جمهور المحرومين ، من القرار والموقف والرؤيا والمسار للطائفة ، وللبنان المستقبل ، وللمصير الذي نسير نحوه بسرعة هائلة ، وليس إلى الحرمان من الحاجات الشخصية ، والأموال التي تسدُّ الرمق لبرهة من الزمن الطويل ، الذي يستوجب وضع برامج ومشاريع وأعمالٍ تثبِتُهُم على إكمال المسيرة الحريرية ، وعلى العيش الكريم ، القائم على تحريك عجلة الإقتصاد والتجارة ، والأمن والسلام والطمأنينة ، لتشغيل الأيادي العاملة ، وإخراجها من التعطيل والجمود والجحود الواقعة فيه ، ضمن الفراغ الكبير ، الذي تُمعِن به المنظومة السياسية ، والتي أوصلت البلد إلى الإنحدار والإنهيار ، وليكون الخطاب والتحرك ، هو نفسه ممن يطرح نفسه لإستكمال المسيرة الحريرية …
*إن العودة الميمونه لجمع شمل الطائفة ولبنان والكتلة والمسيرة ، تبدأ من جمع شمل العائلة والتوافق معها ، لأجل خوض إكمال المسيرة الحريرية ، فمن لايستطيع تنظيم أحواله العائلية والشخصية ، من أين له أن يتصدى لمسألة إلغاء الأحوال الشخصية للطائفة السنية ؟؟؟ وأين موقفه من أزمة الموقوفين الإسلاميين الذين يقضون بالسجون من دون محاكمة ؟؟؟ وأين هو من إيجاد قيادة أو مرجعية سنية كما كان والده ؟؟؟ ومن لم يستطع ذلك ، فكيف له أن يُكمل المسيرة التي دخلت من الباب الواسع ، لجمع اللبنانيين بكل طوائفهم ، إلى الدولة والجمهورية الثانية التي ألغت نتائج الأحداث والسنوات العجاف ، وبات العيش المشترك في حيوية جديدة ، ضمن مسيرة الإنماء والإعمار ، التي جسَّدها على كافة الأرض اللبنانية …*
إن ما شهدناه من لقاءآتٍ وإجتماعاتٍ للشيخ بهاء في بيروت والمناطق الأخرى ، على صعيد الوفود الشعبية ، التي تبرز معها المطالب والحاجات الشخصية ، دون اللقاء مع الشخصيات والقيادات السياسية ، ماعدا الديبلوماسية البريطانية ، وأيضاً ما درج عليه من تصريحاتٍ وكلماتٍ ، لم ترتق إلى الإشارة التي ترمز لإستكمال مسيرة ومسار الرئيس الشهيد ، ومن المواقف التي كان يتخذها على صعيد الوطن ككل …
*ولا يصحُّ أن يكون الدخول بتسميات حزبية أو شخصية ، لتزيد من الأعداد أو الأرقام الندَّيَّة ، مع الأحزاب والحركات الشعبوية ، التي لا تنفع الوطن والمواطنين بالنوايا الخفيَّة ، وتطمس المسيرة الحريريَّة ، لتتجاوز أركانها العائليَّة ، فتعبث بأهدافها المصيريَّة ، وتستهين بإنجازاتها الإنمائيَّة ، وتفسِد صورتها البهيَّة ، وتجعلها تستمر وتبقى في الحالة السرِيرِيَّة ، فهل هذا هو المُراد ، في المَسار والمَصِير ….*