كتب الإعلامي د. باسم عساف في جريدة الشرق – بيروت : فوارق , الإستحقاق الرئآسي الإيراني … والإستحقاق الرئآسي اللبناني …
الفاجعة التي حلَّت بإيران وذهب ضحيتها رئيس الجمهورية ووزير الخارجية ، وأيضاً عدداً من المسؤولين المرافقين على متن طوافة رئآسية خاصة ، وهي تعتبر من أفضل الطوافات الآيرانية المخصصة لولي الفقيه المرشد ، ولرؤساء البلاد ، وبالتالي تخضع للتفتيش الدقيق والمتابعة المستمرة بالصيانة والرقابة والتواصل ، وهذا ما نقل عما جرى في طريق سيرها مع الطائرتين الآخرتين ، اللتين وصلتا بسلامٍ إلى مقصد هبوطها ، وأن المسؤولين فيها ، قد أفادوا بأن الأجواء والغيوم والغبار ، لم تكن عائقاً من مواصلة الطيران ، ولكنهم وجدوا أن طائرة الرئيس ، قد إتخذت مساراً أعلى في تقدمها لتفادي الغيوم ، وبعدها فقِد الإتصال بها ولم يعرفوا مصيرها ، إلى أن تمَّ إكتشاف مكان سقوطها في غابةٍ كثيفةٍ بمنطقةٍ واعرةٍ وصعبة الوصول إليها ، مع التأخير بإكتشافها ، وإللحاق بإنقاذ من فيها عند سقوطها وتحطمها ، ولم يتم ذلك إلا بعد الإستعانة بفرق إنقاذية من روسيا وتركيا …
هذه المعلومات والتقارير الواردة من موقع السقوط ، ومن التقارير الرسمية الواردة من طهران ، قد رسمت علامات الإستغراب والتساؤل ، عن الكثير مما يثير النفوس ؟؟ من إستعراض تسلسل نشر الأخبار ، وعن إعطاء الصورة الحقيقية مما جرى لهذه الطوافة بالذات ، دون غيرها ، في مسيرة العودة الواحدة لثلاث طائرات ، قد وصلت منها إثنتان ، بأمان وسلام ، وهم أنفسهم الذين صرَّحوا بأن الأجواء والطقس ، لم يكن عائقاً من المتابعة ، والدليل على ذلك ، وصولهم لمكان العودة دون أي عائق …
لا شك بأن مقتنصي الفرص ، والذين يصطادون بالماء العكر ، والحاقدين والحاسدين ، والشامتين كثر ، خاصّةً في مثل هذه الظروف العصيبة ، وفي خضم المواجهات وإثارة الغرائز والعصبيات ، التي ترتسم على وجوه الكثير من الناس والدول والمنظمات ، وكلُّ من له مصلحة في إنقلاب الصورة ، التي تخدم الأعداء ، حيث تنشر الإشاعات والأقاويل والأقلام المأجورة ، التي تنغمس في الحرب النفسية ، والتي تكثر فيها الإضطرابات العصبية ، لتصب في قاعدة 🙁 الغاية التي تبرر الوسيلة ) ، وهؤلاء هم أصحاب الغايات السود الذين يفتكون بالبشرية إمعاناً بالإفساد حتى تتحقق غاياتهم بالفساد …
مهما كانت الأمور التي تتجه سلباً أم إيجاباً ، فإن الحقائق لن تضيع وإن طال تغييبها ، بتأخير نتائج التحقيقات أو جلاء الصورة عن كيفية حدوث هذا الزلزال الفاجعة ، الذي هزَّ مشاعر العالم ، وليس الشعب الإيراني فقط ، حيث أن الأعصاب مشدودةٌ لمعرفة أين يتجه العالم ، بالإنقلاب الكبير في التعاطي مع القضية الفلسطينية ، وأحقية شعبها في تقرير مصيره ، من بعد إغتصابِ وإحتلالِ الكيان الصهيوني لأرضها عنوَةً ، مع ما يجري لشعبها من مجازر قد أدمت القلوب ، ولتأتي هذه الحادثة الأليمة ، فتصبَّ الزيت على النار ، وتزيد من إحتقان النفوس ، والتربص لأحداث أكبر في المنطقة ككل ، خاصةً إذا ما جاءت نتائج التحقيقات ، لتدل عن تدخلٍ خارجيٍ أو المشاركة والتسبب بسقوط الطائرة، أو إستهدافها قصد زعزعة الوضع الإيراني والإقليمي عامة …
إن طبيعة النظام الإيراني وإعتماده للمرجعية الدينية بالمرشد العام والولي الفقيه ، مع توزيع المسؤوليات المُحكَمةِ بين أركان الثورة والدولة ، تجعل من رئآسة الجمهورية والحكومة ، ورقةً ممسوكةً ومقيدةً بيد القيادة الدينية ومجلس الإشراف على الدستور والحرس الثوري ، ومن هنا يبدو أن الإطمئنان لمجرى الأمور والتواصل بعملية إنتخاب رئيسٍ جديدٍ وحكومةٍ بديلةٍ ، تندرج في السياق الطبيعي لتداول السلطة ، وملء الفراغ الحاصل ، تماشياً مع الدستور الذي يحدد المدة الزمنية القصوى لإنتخاب البديل ب: خمسين يوماً ، وقد تم التحديد الفوري للإنتخاب الشعبي العام بتاريخ /٢٨ الشهر القادم ، والإنتخاب محسوم ليقول الشعب كلمته من دون تسويف ولا تأجيل ، ولا تهريب للنصاب وفق الألعاب البهلوانية اللبنانية …
إن صدور التحقيقات للحادثة الأليمة قبل عملية الإستحقاق الإنتخابي ، قد تكون له أهمية كبرى في إتجاه النتائج ، التي تحدِّد وجهة الرئيس الجديد ، لأن الحادثة إن كانت مفتعلة والقصد منها إزاحة سياسة الرئيس رئيسي المتشددة ، وتعاطيها مع القضية الفلسطينية والمنطقة بحزم ، أو سطوع نجمه وتألقه داخلياً ، أو لتقلبات في السياسة الإيرانية في أحلاف وإتفاقات خارجية ، أم أن الحادثة تكون قضاءً وقدراً ، والنتائج تعود للطبيعة والظروف المناخية ، التي لا تؤجِّج الصراع الخارجي والداخلي ، بل تزيد العطف عل مساره وسياسته ، ليأتي الرئيس العتيد ، مشابهاً له فيكمل مسيرته ومسيرة النظام الإيراني ، المتوسع جغرافياً وسياسياً وأمنياً ، ليكون لاعباً أساسياً في تسويات المنطقة الإقليمية …
من هنا نشهد التأثير الكبير للنظام الإيراني ، الذي يتجه بتصدير الثورة إلى المنطقة ، وتحقيق الغاية الدينية منها ، لتعم بفكرها كل البلدان والمناطق التي تناصرها وتؤيد مسارها ومسيرتها ، لتكون تحت رايتها وقيادتها بولاية الولي الفقيه ، الذي يقود الثورة وليس إيران الجغرافية فقط ، ولذا نجد أن لبنان بات من ضمن إمتداد الثورة وفكرها ومسارها الديني ، ودخوله في معترك الحرس الثوري ، الذي يشرف على تصدير الثورة وإمتداداتها الإقليمية ، وهذا ما نراه في السياسة اللبنانية ، التي باتت تسير في هذا الإتجاه ، وتؤثر على كل المناحي السياسية والأمنية والإقتصادية ، وحتى كل المفاصل الإدارية والتوظيفية ، في مؤسسات الدولة وأجهزتها وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية ، وهو الذي يزيد الشرخ مع المكوِّنات الأخرى لهذا البلد المركب ، تركيباً دقيقاً طائفياً ومذهبياً ، ولا يتحمل أي خلل في التوازنات والإتجاهات ، التي ترتبط دينياً وفكرياً وعقائدياً مع دول أخرى ، متناقضة ومواجهة للنظام الإيراني ومقصد ثورته ….
إن التشبه اللبناني بالنظام الإيراني ، من حيث التماسك والتشدد نحو تطبيق الدستور والتشابك بالمسؤوليات وتنوعها ، ليزيد من التضامن والتعاون ، للحفاظ على النظام والقيادة التي تعمل جاهدةً لإبراز القوَّة والمنعة في تحقيق الغاية المرجوة ، وبكل جرأة ومثابرة وثبات على المبادئ العليا للنظام ، لهو فألٌ حسنٌ ، وتشبهٌ جيِّدٌ إن سلك درب التجرد من الإنحياز الديني والفكري المتَّبع ، حتى لا تدخل الفتن الطائفية والمذهبية في التطبيق ، بحيث تهتزُّ التركيبة اللبنانية الهشّة ، المبنِيَّة على المصالح الغربية منذ الإحتلال الفرنسي ، عقب الحرب العالمية الأولى وإعلان دولة لبنان الكبير ، إلى الوصاية الأميركية التي نشهد آثارها حتى إعداد هذا المقال …
المراد من هذا التشبُّه بسلوك درب التمسُّك بالنظام والدستور ، الذي يُفرج عن التوافق ، والإتجاه الذي يرضي الجميع من خلال الدستور ، الذي وُضع وتم الإتفاق على بنوده لإيجاد المخرج الملائم ، خاصةً في التركيبة المتنوعة ، والمشكَّلة من كافة أطياف المجتمع اللبناني بكل فئآته …
المهم هنا ، تطبيق الدستور ، الذي جاء واضحاً مع نتائج مؤتمر الطائف ، ولكن الأهواء والنزوات ، التي تنظر بعينٍ واحدةٍ ومتجهةٍ للخارج دوماً ، تزيد إمعان الثغرات في تطبيق الدستور هي الغالبة ، في التطبيق والإنحراف نحو المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة …
مثالنا اليوم بالدستور الإيراني ، الذي يحدِّد مدةً زمنيةً قصوى لإجراء يوم الإنتخاب ، لا تزيد عن /٥٠ يوماً من الفراغ ، ومن دون مراوغةٍ أو تسويفٍ أو تمريرٍ للوقت ، الذي يضرُّ بمصالح البلاد والعباد ، ومن دون أن يرفَّ للمسؤولين أي جفن ، بما يحدث للشعب اللبناني من مآسي ونكبات ، تزيد من همومهم ومن أزماتهم المتراكمة …
وعليه وجب الإقتداء بما يجسِّد مصالح الناس ، وخاصةً لمواطني هذا الوطن ، الذي لا يزال يجمع كل الأطياف والعائلات اللبنانية ، قبل أن بفلت عقالها وتنحو نحو حبِّ الذات والحكم الذاتي ، الذي يفرح الأعداء ويحقق غايتهم بتقسيم البلاد وفق خارطة الطريق المبنية على كانتونات الطوائف والمذاهب والعنصرية …
فوجوب ألا يخسر لبنان الدستور والرئآسة والوطن والشعب الواحد الموحد ، هو الأساس ، وهنا مكمن العلَّة بالتشبه والتمسُّك بالنظام والدستور ، والمفارقات كثيرة من حيث المبدأ والتطبيق ، بين مسار الإستحقاق الرئآسي الإيراني ، وبين مسار الإستحقاق الرئآسي اللبناني …