المركز الثقافي الإسلامي بيروت /في الذكرى ال ٣٥ لاستشهاد سماحة المفتي الشيخ حسن خالد…أهمية دوره الوطني في إرساء التوازنات وقواعد العيش المشترك/ د. إبراهيم العرب
تأتي ذكرى استشهاد سماحة المفتي العلامة الشيخ حسن خالد الخامسة والثلاثين، التي كانت مقدمة لاغتيال كل لبنان، ونحن نعيش أوقاتاً صعبة على كل المستويات، في مقدمتها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتعذر انتخاب رئيس جمهورية لبناني جديد ومحاولات طمس وثيقة الثوابت الإسلامية العشرة التي وضعها سماحة المفتي الشهيد مع الإمام محمد مهدي شمس الدين وأطلقها من دار الفتوى عام ١٩٨٣، من أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه وأنه عربي الهوى والجذور والانتماء وأن لا شرعية إلا شرعية الدولة اللبنانية ومؤسساتها الوطنية وأن العدوان والاحتلال الإسرائيلي إلى زوال مهما أعطي ومهما طال الزمن.
كذلك، فإن ما يؤكد على أهمية ثوابت المفتي الشهيد الوطنية ودوره التحرري، هو تنظيم معهد الدراسات الإسلامية والمسيحية في جامعة القديس يوسف بعد بضعة أيام ندوة عن سماحة المفتي الشهيد حسن خالد، بعد الاحتفاء بذكرى استشهاده منذ سنتين في السفارة السعودية بمبادرة من سعادة السفير السعودي وليد بخاري أطال الله بعمره، كون المفتي الشهيد لم يكن حاملاً للواء القضية الفلسطينية والداعي إلى وحدة الصف الإسلامي فحسب، وإنما لواء الوحدة الوطنية اللبنانية ومؤسسات الدولة في مواجهة كل المؤمرات التي واجهت لبنان، لاسيما التقسيمية منها.
ولذلك دفع سماحة مفتي المواقف النبيلة والجريئة، حياته ثمناً لمواجهته الظلم والطغيان ومحبّته للدفاع عن وطنه لبنان وإيمانه بالعيش المشترك والانصهار الوطني، ومحبته الفائقة للعاصمة الوطنية بيروت، قلعة الإيمان والصمود والوطنية والعروبة الحضارية؛ كما دفع حياته أيضاً لمواجهته كل محاولات تذويب لبنان، الكيان الوطني، كانتونياً وفيدرالياً، منذ أن كان أستاذاً لمادتي المنطق والتوحيد في الكلية الشرعية، وقاضياً شرعياً في بيروت، ومنذ أن ترأس لاحقاً القضاء الشرعي الأعلى في لبنان واللقاء الإسلامي ومنذ أن أصبح مفتياً للجمهورية اللبنانية عام ١٩٦٦ وترأس المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى وتولى نيابة رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي وعضوية في المجمع الفقهي في منظمة الدول الإسلامية وعضوية مجلس البحوث الإسلامية.
ولهذا في اليوم السادس عشر من أيار ١٩٨٩ امتدت يد الغدر إليه، وسالت دماؤه الشريفة، النقيّة الطاهرة على مقربة من دار الفتوى، هذه الدار التي لطالما حمت أبناء الطائفة السنية بشكل خاص، وعموم اللبنانيين بشكل عام، والتي هي اليوم بأيادٍ أمينة مع سماحة المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، حفظه الله وأطال بعمره.
ولكن تجدر الإشارة إلى أنه قد سبق حادث اغتيال المفتي الشهيد وأعقبته انفجارات لا حصر لها، فحصدت العشرات، لا بل المئات من الأحرار من أبناء هذا الوطن. ولذلك قال الله تعالى: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب»، ولن تقوم لأمّة قائمة ما دام المجرمون لا يعاقبون على جرائمهم، ويُرمى الأبرياء الآمنين في المعتقلات تحت ذرائع شتّى أو يدفنون شهداء تحت الأرض، ليصل المجرمون فوق جثث ضحاياهم إلى أعلى المراكز ويبرزون في مواقع مرموقة عليا.
صفوة القول، في هذه الذكرى الأليمة الحزينة نتذكر سماحة المفتي الشهيد اليوم، وكل يوم، ونستذكر حمله لقضايا أمته العربية والإسلامية بكل أمانة واستقامة، لاسيما أن كل المشايخ عموماً ومحسوبكم الفقير لله تعالى، من أبرز المعجبين بذكاء المفتي الوقّاد، وأناته في التعاطي مع الغير، بالتزامه خط الوسطية والاعتدال، بسمعته الزكية خلقاً وسلوكاً وخصوصاً تعفّفه وزهده في الحياة، لا بل كان يُعرف بالتزمّت في الحرص على عروبة لبنان ودور المسلمين فيه إلى حدّ لا مثيل له.
وهذه الخصال والمآثر والفضائل كانت من أسباب محبّة اللبنانيين والعرب والمسلمين له، وكذلك من أسباب النظرة العامة إليه بأنّه المفتي الجريء الذي قهر الموت حتى بعد رحيله، مؤمنين بقوله تعالى:” ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون”، وقوله أيضاً:” ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتٌ، بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون”.
ويكاد يكون ثمة إجماع بين اللبنانيين على أنّ المفتي حسن خالد كان أعظم مفتي في تاريخ لبنان الحديث،ولم يؤخذ على ولايته استقواء أحد عليه، حيث كان يقف بالمرصاد بوجه كلّ الطغاة، ولا يهاب الموت.
وكان المفتي حسن خالد يتمتّع بذاك الرصيد الكبير في الساحة السنية والوطنية، حتى قبل أن يتولى مهام الإفتاء. وكان مشهوداً له بخفة روحه وسرعة بديهته وقذاعة انتقاده في المواطن المحقة؛ لا بل كان محكاً للموقف الإسلامي المنفتح في غمرة التناقضات التي كانت تمزّق الساحة السياسية حينها، فيقصده الجميع بين الفينة والأخرى للوقوف على رأيه في الشؤون الإسلامية والوطنية أو للاستماع إلى تقييمه للقضايا الحساسة في البلد.
كما كان سنداً لكل مستضعف، ولكل لبناني يواجه الظلم والعدوان، وكان محطّ ثقة جميع الأحرار في الوطن العربي، وكان لاستشهاده دويّ هائل، وكان بحق فاجعة وطنية لا تعوّض.
كما كان اغتياله فاتحة مرحلة مأساوية تميّزت باشتداد أُوَارُ الظلم والتّدهور المُريع على كلّ مستوى وفي كلّ مجال.
واليوم فإن مدرسة المفتي الشهيد التي عمل عليها ومن أجلها وعكست إيمان مسلمي لبنان وثقافتهم على حد سواء، ومن حيث تمسكهم بدينهم الذي ارتضاه الله لهم،
وتمسكهم بوطنهم رسالة الوحدة الوطنية والعيش الواحد مع إخوانهم المسيحيين في المواطنة .
وأستذكر مواقفه في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية والوطنية، ورفضه للفتنة ونبذها وخصوصاً في حرب المخيمات المؤسفة ومعارك بيروت من أجل إيقاع الفتنة الداخلية البغيضة، وكانت صلاة عيد الأضحى المبارك الشهيرة بإمامته في الملعب البلدي بتاريخ ١١ أيار عام ١٩٨٣ وبمؤازرة من سماحة الإمام الشيخ المرحوم محمد مهدي شمس الدين وسماحة شيخ العقل محمد أبو شقرا، الردّ القاطع على كل تلك المحاولات، لاسيما على الحكم الفئوي واتفاق ١٧ أيار المشؤوم، ذلك أن المفتي الشهيد حسن خالد كان حريصاً على وحدة المسلمين، وكان مفتياً لكل مسلمي لبنان وحريصاً على الوحدة الوطنية وصيغة العيش المشترك؛ ولعله بسبب تمسكه، رحمه الله، بهذه الثوابت وبسبب نضاله القوي من أجلها، كان هدفا للعدوان الغادر الذي قصف حياته وهو في عزّ عطائه العلمي والفكري الديني والوطني.
وكان سماحته رجل التوازنات الوطنية ومفتي الإصلاح السياسي ونقطة الارتكاز في أي لقاء وطني وفي أي اجتماع داخل وخارج لبنان، يبحث في القضية اللبنانية من قمم عرمون في العامين 1975 و1976، إلى اجتماعات دار الفتوى 1983 و1984 وما بعدها، ثم إلى اجتماعات الكويت شباط 1989، في سبيل أن يبقى لبنان سيداً عزيزاً وقوياً، وأن يبقى للبنانيين تعاونهم وإخاؤهم.
ومن هنا كان اغتياله محاولة مكشوفة لاغتيال نهجه في الإصلاح السياسي والاجتماعي وقول الحق دون مهاودة أو مساومة، ومحاولة لاغتيال دور دار الفتوى الكبير، الذي بقي قوياً متماسكاً في وجه الحرب. فهل من عجب في أن لبنان كان مسرحاً لمسلسل جرائم نكراء لم يُكشف الجاني في أيّ منها، أو لم يسلّم للعدالة؟
رحم الله المفتي الشهيد، حسبه أنه باعتراف الجميع أحد أبرز الأفذاذ في تاريخ لبنان المعاصر، فضله على مجتمعه ووطنه وأمته كبير لن يُنسى. وسيبقى في أدائه قدوة في النزاهة وعفّة النفس والترفع عن الصغائر، وفي التزامه خط المواجهة والاعتدال، وفي إيمانه بالوحدة الوطنية كما بعروبة وطنه. كان تجسيداً لدار الإفتاء بأبهى صورها،ولو كان بيننا الآن لكان قائداً لاستكمال حملة الحفاظ على سيادة واستقلال لبنان، وكذلك من أجل الدفاع عن أمته وقضيته الأم فلسطين والقدس والمسجد الأقصى.
وختاماً، إنّ دمّ المفتي الشهيد كما دمّ الشهيد الرئيس رفيق الحريري في أعناقنا، ولن نفرّط فيهما أبداً، لاسيما أنهما اغتيلا لأنهم خافوا منهما ومن دعوتهما إلى الرجوع إلى الضمائر الحيّة، ولأن صوتهما صدح بالحق وصمد بوجه التهديدات والمغريات ومنع التسلط والهيمنة على مفاصل الوطن، لكن شاء الله تعالى أن تبقى مواقفهما الجريئة مضيئة كأشعة الشمس المشرقة، تُقتبس رؤيتهما في كيفية بناء الأوطان الحرة الأبية، وكيفية الحفاظ على العروبة والإسلام؛ مؤكدين أن سماحة المفتي الشيخ حسن خالد وأمثاله من الشرفاء الميامين الشهداء، الذين قاتلوا من أجل إلغاء الطائفية السياسية هم المنتصرين ليس للشعب اللبناني فحسب، وإنما للأمة العربية والإسلامية جمعاء، رحمهم الله وأسكنهم فسيح جنانه مع الأنبياء والشهداء والصديقين، ونتقدم من أحرار الأمة وخصوصاً الغزاويين منهم، بكل مشاعر التضامن والتآزر والتآخي سائلين الله أن يحفظ الأمة وينصر المقاومة الفلسطينية والغزاوية على أعدائها، وأن يحرر فلسطين من البحر إلى النهر من الكيان الصهيوني الغاشم في القريب العاجل بإذن الله تعالى.
بيروت في ١٥ أيار ٢٠٢٤