المركز الثقافي الإسلامي بيروت/كيفية مكافحة جريمة العصر…جريمة الابتزاز الجنسي للمرأة اللبنانية؟ المحامي د. إبراهيم العرب
كيفية مكافحة جريمة العصر…جريمة الابتزاز الجنسي للمرأة اللبنانية؟
المحامي د. إبراهيم العرب
لم تكن المرأة في يوم من الأيام واقفة على الحياد في مختلف المعارك التي خاضتها الحركات النضالية دفاعاً عن الأرض والأسرة والصمود، وكانت شريكة في بناء القيم الإنسانية والأخلاقية وبناء الجيل النضالي بوجه المتغطرسين والظالمين في الأرض.
أشكال كثيرة من النضال قامت بها النساء، ولم يسلط عليها الضوء نتيجة المجتمع الذكوري، فالعديد منهن روت بدمائهن أراضي بلادهن الطاهرة ابتداءً من العاصمة بيروت حتى فلسطين المحتلة، فإحدى الفتيات على سبيل المثال شاركت بعملية محطة أيوب في أيلول ١٩٨٣، وبطلات كثيرات قمن بتجارب نضال أخرى، كليلى أبو الحسن التي اعتقلت ونقلت إلى إسرائيل مباشرة، كما سطرت شهيدات عناوين جديدة في ملاحم الصمود والتحدي، كسناء محيدلة ونورما أبي حسان ولولا عبود ووفاء نور الدين وابتسام حرب وزهرة أبو عساف وإنعام حمزة ويسرى اسماعيل وفدوى غانم، حيث كانت لكل واحدة منهن حكاية مختلفة بحب الوطن وجبال من العطاء.
ولكننا نحن، كيف أكرمنا المرأة، لاسيما اللبنانية، وكيف حميناها من المجتمع الذكوري المريض الذي كل يوم نسمع انتهاكاً جديداً لحرمتها، وآخره في أحد المسابح النسائية المشهورة؟
أولاً، إننا لم نحمِ حقيقة نساءنا بقوانين جزائية عادلة ورادعة، وإنما فرضنا على كل من يصور فتاة أو إمرأة أو حجة أو راهبة عارية، سواء في مسبح أو خلسة من خلال هاتف محمول ليبتزها، عقوبة الابتزاز المنصوص عليها في المادة ٦٥٠ من قانون العقوبات التي تقضي بما يلي:”كل من هدد شخصاً بفضح أمره أو إفشائه أو الإخبار عنه وكان من شأنه أن ينال من قدر هذا الشخص أو شرفه أو من قدر أحد أقاربه أو شرفه، عوقب بالحبس من شهرين إلى سنتتين وبالغرامة…، وتشدد العقوبة وفقاً للمادة ٢٥٧ عقوبات بحق الفاعل إذا كان الأمر الذي يهدد بفضحه قد اتصل بعمله بحكم وظيفته أو مهنته أو فنّه”، أي تزداد العقوبة في الحالة الأخيرة من الثلث إلى النصف وتضاعف الغرامة فقط. كما يعاقب بنفس العقوبة على جرم الابتزاز الالكتروني والابتزاز الالكتروني الجنسي في لبنان، الذي يختلف عن جرم الابتزاز العادي إلا أنه ناتج عن تدخل التقنية المعلوماتية، بحيث يتم تصيّد الضحية بوسائل الكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، مثل الفيسبوك والانستغرام والتيك توك وغيرها من البرامج، للتهديد بإفشاء أمور ماسة بحياة الفرد الشخصية والخاصة بشرفه في كثير من الأحيان. وفيما يختص بالابتزاز الالكتروني الجنسي، فيتم نزع المحتوى الجنسي في أغلب الأحيان عبر اختراق هاتف الضحية المحمول، أو سرقة محتواه الخاص وصوره والتهديد بنشرها.
وعندما يقدم الجاني المنتهك للحرمات على توزيع الصور المهينة لكرامة وشرف المرأة، ماذا فعل برلماننا ليحمي نسوة لبنان، اكتفى بفرض عقوبة المادة ٥٣٣ ع على الفاعل التي تقضي بما يلي:” يعاقب بالعقوبات نفسها (أي بالحبس من شهر إلى سنة) من أقدم على صنع أو توريد أو اقتناء كتابات أو رسوم أو صور يدوية أو شمسية أو أفلام أو إشارات أو غير ذلك من الأشياء المخلة بالحياء بقصد الاتجار بها أو توزيعها أو أعلن أو أعلم عن طريق الحصول عليها”، كما تعاقبه بعقوبتي المادتين ٥٣١ و٥٣٢ع المتعلقتين بالتعرض للآداب والأخلاق العامة المرتكبة بإحدى الوسائل المنصوص عليها في المادة ٢٠٩ ع والتي تعاقب بالحبس من شهر إلى سنة أيضاً.
أما عندما تنتحر الضحية التي يقسو عليها المجتمع الذكوري، فإن قبض على المبتز الجاني، ولم يفرّ من الأجهزة الأمنية، التي يصعب على مكتبها لمكافحة جرائم المعلوماتية تتبع أثره عندما يتوسل “الويب المظلم”، فيعاقب بموجب المادة ٥٣٣ ع بما يلي:” من حمل إنساناً بأي وسيلة كانت على الانتحار…عوقب بالاعتقال عشر سنوات على الأكثر إذا تم الانتحار، وبالحبس فقط من ثلاثة أشهر إلى سنتين إذا نجم عن الشروع في الانتحار عجز دائم أو إيذاء”، أي كشلل الضحية أو تشوهها على سبيل المثال.
هنا،يجب على المشرع اللبناني أن يعدّل قانونه، فيعاقب على جرم الابتزاز، لاسيما الجنسي، بعقوبات صارمة ورادعة تصل إلى حدود الأشغال الشاقة المؤقتة بما لا يقل عن خمس عشرة سنة على الأقل، فقانون العقوبات العراقي يعاقب على هذه الجريمة بالسجن سبع سنوات على سبيل المثال، لاسيما أن الله عزّ وجلّ قد قال:” والذين يؤذون المؤمنون والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً عظيما” (الأحزاب: ٥٨)، كما قال تعالى:” إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة” (النور: ١٩)، وهي تتناول كل من يلتمس عورات المؤمنات ويهتك أعراضهن ويشيع الفواحش. خصوصاً أن الابتزاز الالكتروني الجنسي، والذي يندرج ضمن خانة التهديد والتهويل، غالباً ما يكتنفه استخدام أساليب للضغط على الفتيات وإكراههن على ممارسة الرذيلة أو البغاء، عدا عن دفع المال تحت ضغط الرهبة. بحيث يطلب المبتز بمرور الوقت، من الفتاة ممارسة الجنس معه أو مع غيره، ممن يختار هو لفعل الفاحشة، مقابل منفعة شخصية عائدة له. وهنا تتحول الجريمة لجريمة اتجار بالأشخاص التي تنص عليها المادة ٥٨٦-١ من قانون العقوبات، وتعاقب عليها الفقرة الثانية من المادة ٥٨٦-٢ ع بالاعتقال لمدة سبع سنوات وبالغرامة من مئة وخمسين ضعفاً إلى ثلاثمائة ضعفاً للحد الأدنى للأجور كونها تتم باستعمال أعمال التهديد والابتزاز على المجني عليها؛ وتصل العقوبة وفقاً للمادة ٥٨٦-٤ ع للاعتقال لمدة خمس عشرة سنة وبالغرامة من ثلاثمائة ضعف إلى ستمائة ضعف الحد الأدنى للأجور، إذا ارتكبت بفعل جماعة (أي عصابة) من شخصين أو أكثر ترتكب أفعال جرمية (أي ممارسة دعارة)؛ أو إذا تناولت أكثر من مجني عليه؛ كذلك فبحكم الفقرة أ من المادة ٥٨٦-٥ ع تصل العقوبة بالحبس من عشر سنوات إلى اثني عشرة سنة وبالغرامة من مئتي ضعف إلى أربعمائة حين ينتج عن الجرم انتحار الضحية أو تأذيها أذى خطير.
خلاصة القول، على مشرعنا أيضاً أن يشدد العقوبة على مكره الفتيات على الرذيلة والبغاء، بحيث يعاقب عليها بالمؤبد أسوة بجريمة القتل المقصود لسبب سافل وتجارة المخدرات، لاسيما أن هذا النوع من الإجرام فيه قتل معنوي أشد وأفتك بالمرأة من القتل المادي. فقد قال تعالى:” ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء” (النور: ٣٣)، وتوعّد الله من يفعل ذلك بمن يفسد الأرض حينما قال:”إنما جزاء… ويسعون في الأرض فساداً…ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم” (المائدة: ٣٣).
ختاماً، كل امرأة لها شرف واعتبار، ومكانة في المجتمع، وتستحق من سائر أفراد مجتمعها معاملة محترمة تتفق مع ذلك. ولذلك يتوجب على دولتنا أن تتشدد بالعقاب لتحافظ على كرامة كل امرأة وحجة وراهبة، وعلى صفاء المجتمع ونقائه، وأن تقتص اقتصاصاً رادعاً بكل من يهتك سترها ويبيع شرفها، فقد قال تعالى:” ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب” (البقرة: ١٧٩)، فالعقوبات الجزائية الزاجرة هي رحمة من الله تعالى بعباده، وإرادة للإحسان إليهم وحفظهم، ومنع كل سلوك إجرامي يمس أعراضهم وحرماتهم، ويصدم كرامتهم المقررة شرعاً والمكفولة دستوراً، ولذلك يجب ألا نقلل من أهميتها ونستخف بحاجتنا إليها.
نختم بالقول، إن مستقبل المرأة في لبنان هو رهن بالقوانين الجريئة الحافظة لكرامتها من جهة، وبنضالها للتخلص من سطوة وقمع المجتمع الذكوري لدورها الفاعل في المجتمع. ولذلك، على قاضيات لبنان الذين يشكلون القسم الأكبر من الجسم القضائي وعلى وزيرات ونائبات وسفيرات ودكاترة وضابطات وشرطيات ومحاميات لبنان أن يعملن على رفع مستوى حضورهن بما يتلاءم مع ما تقدمه القوانين الفاعلة لحمايتهن، وتفعيل أطر مشاركتهن التنظيمية في المجتمعات النسوية الرافضة لاضطهاد النسوة اللبنانيات والاتجار بهن، والاستمرار بابتزاز الضحايا منهنّ مدى الحياة.
بيروت في ١٣ أيار ٢٠٢٤