كتب الاديب الاستاذ مروان الخطيب/أن تكونَ شاعراً وباحثا…! -إلى الأخ والزَّميل الوَدود الأصيل الدكتور الشَّاعر هشام يعقوب

أن تكونَ شاعراً وباحثا…!

-إلى الأخ والزَّميل الوَدود الأصيل الدكتور الشَّاعر هشام يعقوب-
*****
أن تكونَ شاعراً،
معنى ذلكَ أنْ تكونَ قابَ قوسينِ أو أدنى من سِدْرةِ الرُّؤيا، فترى بقلبِكَ ما لا يراه الآخرون بعُيونِهم، وتسمعُ بجَنَانِكَ ما لا يقدرُ على سَمَاعِهِ غيرُك بأُذنيه، فتعبرُ إلى مَراقي الأحلامِ، وكأنَّكَ مَزفُوفٌ باليَاقوتِ والمَرجان، وسابحٌ في شِفائكَ كالشَّهدِ وماءِ الرُّمان، ومُتَطَلِّعٌ إلى تَحَالِيقِ الأصباحِ والآصالِ، فتنبثقُ من صَدَفِكَ كاللُّؤلؤ، مُحَرَّراً من كوابيسِ المَقتِ كالوقتِ والزَّمان…!.
أنْ تكونَ شاعراً، مَعنَاكَ مُعَلَّقٌ بالثُّريَّا، وَهَابٌّ، عاصِفٌ كالإعصَارِ، وتحسدُ صَفَاءَكَ، نَقَاءَكَ، شَجَاعةَ نبضِكَ ورُوعِكَ الأضدادُ من الأعيانِ والألوان…!.
أنْ تَكونَ شَاعِراً، فأنتَ مُنحازُ بقلبِكَ وفِكرِكَ وأصالتِكَ، إلى ابنِ خَلدون، وترفعُ الصَّوتَ معهُ مُؤازراً ومناصراً ومؤكِّداً على مضمونِ رائعتِهِ العَليَّة التي قال فيها: ” مَنْ وقعَ عليه القَهرُ، ولمْ يدفعْهُ عن نَفسِهِ، اكتسبَ طبعَ المَذَلَّة!”.
وأنْ تكونَ شاعراً، معنى ذلكَ أن تَسيرَ على الأرضِ بقلبِكَ ودمِك، وأن تطيرَ مع الرُّحاقِ بأنفاسِكَ وأنامِلِك، وأن تستعدَّ لمواجهةِ الأقذاءِ في عينيكَ بصمودِ مَدَامِعِك، وأن ترسمَ بأنساغِ عَظمِكَ ونَقِيِّهِ لوحةَ الآتي من أرجوان وكهرمان وبيلسان…!.
أمَّا أن تكونَ باحثاً، فأنتَ الفِدائيُّ المُعَنَّى، والعاشقُ المُدَمَّى، والعَريسُ العَتيدُ المُحَنَّى، والعازفُ عن جَمْهَرةِ الزِّفاف…!.
أنْ تكونَ باحثاً، فأنتَ من أهلِ الصِّدقِ والسَّهَرِ الشَّغوفِ بالحرفِ والجُوعِ والماءِ والعناء، وأنتَ عزوفٌ عن زُخرفِ الأرضِ إلى عُروةِ السَّماء، وأنتَ ذو حَنجرةٍ جَفُوفٍ، لكنَّها طروبٌ بثمارِ النَّقاءِ في العلياء…!.
أن تكونَ باحثاً، فقلبُكَ خَشُوع، ومقلتُكَ دَمُوع، وجَوفُكَ قَنُوع، وسِرُّكَ بالحَقِّ ولُوع، ورُوعُكَ بالحقيقةِ والرُّؤيا مُشرِقٌ وسَطُوع…!.
أن تكونَ باحثاً، فأنتَ الصَّعُودُ إلى معالي الصُّرَاح، وأنتَ الغَنيُّ بالفُراتِ القُرَاح، والسَّبُوحُ في الأعماقِ والمَراقي معَ اللآلئ والمَحَار، والتَّوَاقُ الشَّغُوفُ للكشفِ والأنوار…!.
وأنْ تَكُونَ باحثاً للقُدسِ: حاضراً، وتاريخاً، وأدباً، فأنتَ إذَّاكَ من أهلِ الحَظْوةِ والكَرَامَاتِ العَليَّة، والمَقَاماتِ السنيَّةِ والبهيَّة، وأنتَ مُشْرِفٌ على الرُّؤى الزَّكيَّة، وكأنَّكَ الحاضرُ الكاتبُ للعُهْدَةِ العُمَريَّة، أمامَكَ الصحابيُّ الجليلُ الكبيرُ أبو حفصٍ عمرُ بن الخطاب، وعن يمنيكِ الصحابيُّ الأمينُ أبو عبيدة عامرٌ بنُ الجَرَّاح رضي الله تعالى عنهما، وعن شِمالِكَ البطريركُ صفرونيوسُ يُوثِّقُ في العُهدةِ ألَّا يُساكنَهم أحدٌ من يهود…!.
أنْ تكونَ باحثاً في القدسِ، فأنتَ فارسٌ من فوارسِها، تدخلُ عِتقَها وعِطْرَها من بابِ الخليلِ أو بابِ المغاربةِ، أو تُشرفُ على تاريخِها من بابِ العَامودِ، أو تسترسلُ في قراءةِ مَداهَا وهواها عَبْرَ بابِ الرَّحمةِ وبابِ السَّاهرة، فتعيدُ قراءةَ قوله تعالى في سورةِ الإسراء: “سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ”…، وعندها ترى الرَّسولَ المُصطفى الأمينَ، مُحمَّداً صلَّى اللهُ تعالى عليه وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم، إماماً للمُرسَلِينَ والنَّبيينَ في الأقصى العَرِيق العَتيق، ثُمَّ ترى البُراقَ والعُروجَ، وترى سلامَ الأرضِ فجراً وشمساً وعدلاً، بما أُوتِيَ عليه السَّلامُ من ربِّ العالمين…!.

مَروان مُحمَّد الخطيب
5/5/2024م