مع ختام الأيام المعدودات نجد أنفسنا مضطرين إلى العدّ، ليس رغبة في تلمّس النهاية وإنّما التماساً للّيالي الوترية، تلك الليالي التي تنطوي على جائزة عظيمة مخبأة كالكنز، بل هي الكنز..
ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر.. قربٌ وأنسٌ وفرح ودعاءٌ وتضرّع.. اللهم نفسي، اللهم أهلي، اللهم ولدي، اللهم أمّتي..
وبينما نرفع الأكفّ ونرتّب الحروف ونمسح الدمعات ونسأل ونلحّ في السؤال، ينبغي أن تكون خارطة الطلبات قد جُهِّزَت بعناية وبصيرة.. ماذا نسأل؟
نحن والأرزاق في هذه الحياة الدنيا كراكِبِ سفينة محمّلة بالبضائع المتنوّعة الأصناف والأشكال، تمخر به عباب الأمواج العاتية يوماً، وتطفو مستكينة على سطح الماء يوماً، وتسير بتؤدة وسلام يوماً، والبضائع المتنوّعة هي لبُّ التوازن ومعيار السلامة، والراكب الذي لا يقدّر كلّ صنف ونوع منها تعيسٌ إذا واجه الأمواج، تعيسٌ إذا استكانت سفينته، تعيسٌ إذا سارت بسلام، وتراه دوماً يتساءلُ عن سرّ تعاسته فلا يجد إجابة مُرضية..
على ظهر السفينة بضائع هي أرزاقٌ شخصية، يتمتّع بأنواعها الراكبُ فلا يستمتع إلا إذا كان مدركاً لها بصيراً بها شاكراً عليها، أهمُّها على الإطلاق: الهداية والخلق الحسن، ومن أصنافها التفاؤل والحكمة والعلم والإرادة والعافية والنضج والقبول، وغيرها كثير..
وهناك في الجانب الخلفي بضائع هي أرزاقٌ عائلية.. نعم، أقولُ في الجانب الخلفي عمداً لأنّ يد السوء استطاعَت أن تنقل هذه الأرزاق العظيمة إلى الجهة الخلفية بحيث تغيبُ عن أعيننا فنزهد بها بشكل ممنهج.. والأرزاق العائلية تشمل العائلة والمحبة والتفهّم والزواج والأبناء والاستقرار والسكن، وغير ذلك..
ومن البضائع المتناثرة هنا وهناك بشكل عشوائي أرزاقٌ مجتمعية، ربما نمرُّ من أمامِها فنتجاوزها بسخطٍ وملل، وهذه الأرزاق تشملُ الأمان وراحة البال والصداقة وحب الناس والتأثير الجميل ونشر النفع وغيرها..
جميع هذه الأرزاق بأنواعها الثلاثة تجعل رحلتنا على ظهر سفينتنا ممتعة وآمنة ورغيدة، غير أنّنا لا نعيش الاستمتاع ولا نلتفت إلى الأمن ولا ندرك الرغد، لماذا؟
إنّنا في سؤال دائم لا ينقطع عن رزق المال.. ورزق المال مقسومٌ يسعى إلينا بهمّة أكبر ممّا نسعى إليه، ورغم ذلك تراه همّنا وشغلنا الشاغل فلا نلتفت إلا إليه، ولا نرتاح إلا حين ننظر فنجده قبالتنا..
مَن الذي وضع هذه البضاعة هنا، نَصبَ أعيننا، وجعلها شغلنا الشاغل، وهمّنا الأول والأكبر، وسببَ هدوئنا أو اضطرابنا النفسي، والعائلي، والمجتمعي؟؟ الإجابة عن هذا التساؤل طويلة عريضة، لا تسَع هاهنا..
ختاماً ومع عجيب حديث رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم نتوقّف:
“مَن أصبَح مِنكُم آمِناً في سِربِه (رزق مجتمعي) معافىً في بدنِه (رزق شخصي) عندَهُ قوتُ يومِه (رزق عائلي) فقد حيزَت له الدنيا”([1])، أفترانا قد حيزت لنا الدنيا ونحن لا ندرك!
في ليالٍ هي أعظم الليالي وأنقاها وأطهرها وأقربها، فلنحمَد الله تعالى على الأرزاق، ولنسأله بركَتها ونماءَها ودوام الشكر عليها.
تقبّل الله تعالى منّا صالح الأعمال وصالح الدعاء.
[1] – أخرجه الترمذي وقال حديثٌ حسن
القادم بوست