المركز الإسلامي الثقافي بيروت/بقلم رئيس جمعية الإشراق الخيريّة ومدير عام مدارسها الشيخ الدكتور وجدي أمين الجردي *أهميّة الدعاء في شهر رمضان المبارك*
الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد؛
فقد هلّ شهر رمضان المبارك بهلاله، ليمضي مكملاً منازل قمره الثمانية والعشرين، بدءًا بمنزلة الشرطين، وانتهاءً بمنزلة الرشا، لتتكامل في طاعة الله ورسوله ما ظهر من الأعمال فيه، وما اختفى، من صلاة الصبح إلى صلاة العشا، بل وصلاة التراويح التي تزيل عن النفس ما علق بها من ذنوب أو حلّ بها من بعدٍ وجفا.
فرمضان سيّد الشهور وأفضلها، لأن فيه تتكامل أركان الإسلام من شهادتين وصلاة، وزكاة، وصيام، وعمرة تعادل حجًا إلى بيت الله الحرام، كما ورد في الحديث الصحيح:(عمرة في رمضان تعدل حجة – أو حجة معي) . وأعظم من هذا كلّه أن فيه أنزل القرآن الكريم، كما قال سبحانه في سورة البقرة:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)}
وهاتان الآيتان الكريمتان يتجلّى فيهما مدى ارتباط شهر رمضان بنزول القرآن فيه {هدًى للناس، وبيّنات من الهدى والفرقان} ومدى أهمية الصيام فيه، وقرب الله تعالى من الصائمين إذا ما دعوه بخشوع في محراب مساجده، أو ناجوه في صلواتهم في حرم جوامعه ومعابده.
فالصيام جُنّة والدعاء جَنّة، لأنه قربان إلى الله تعالى. وأعظم ما في الدعاء، ما ذكره فضيلة الشيخ محمد بهجت البيطار عن السيّد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي قدّس الله سرّه بقوله، تحت عنوان: “أمّا تفسير إمام المعقول عبد الله التنوخي رضي الله عنه… فهو تفسير جليل وفيه تطويل، وقد تجد فيه من التحقيق ما لا تجده في غيره، ومثاله في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} “فقد ذكر هنا أنّ الدعاء أهمّ مقامات العبوديّة، واستدلّ على ذلك بالأدلّة العقليّة والنقليّة، ثمّ ذكر السؤال والجواب في كتاب الله تعالى، وبيّن أنواعها وصورها، وضرب لهما المثال، إلى أن قال: “أمّا الصورة الثالثة وهي الآية، قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، ولم يقل: “فقل إني قريب”، فتدلّ على تعظيم حال الدعاء من وجوه: الأوّل وكأنّه سبحانه وتعالى يقول: عبدي أنت أنّما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أمّا في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك. أرأيتم كيف فرق القرآن الكريم بين العقائد والأحكام وبين العبادة، والدعاء هو العبادة، أو هو مخّ العبادة كما ورد في الحديث الصحيح. فالنوع الأوّل الذي يختصّ بالتشريع، أذن الله فيه لنبيّه عليه السلام أن يجيب السائل بقوله: قل أو فقل: ويسألونك عن الروح، ويسألونك عن الجبال، ويسألونك عن الساعة، ويسألونك ماذا ينفقون، يسألونك عن الشهر الحرام، ويسألونك عن الخمر والميسر، يسألونك عن اليتامى، والجواب في كلٍّ (قل) كذا خطابًا للرسول عليه السلام.
أمّا في مقام الدعاء، سألوا النبيّ عليه السلام: أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه، فنزل قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، ولم يقل قل، أو فقل، كما جاء في باقي الآيات، بل خاطب تعالى عباده كفاحًا، بلا واسطة نبيّ مرسل ولا ملك مقرّب، ليدلّهم سبحانه أنّه قريب من جميع عباده، وأنّه الأعلم والأرحم والأحكم، وهو ربّ العالمين. ”
وهذا ما يؤكده قوله تعالى في سورة غافر: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)}.
فالله تعالى يستجيب لمن يدعوه بإخلاص النيّة، وصدق الطويّة، لأنّ
الدعاء كما ورد في الحديث الصحيح هو مخّ العبادة، ولذلك نحن عندما نبدأ بالصلاة نقول:
(وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلما… ). فحسن التوجّه في الصلاة إذن هو الدعاء، والدعاء مستجاب إذا أفرغ العبد جهده في العبادة لوجهه الكريم، وما ارتباط الآيات الثلاث بما ذكرناه سابقًا إلاّ سبيل إلى وعي بركة الدعاء من جهة، وعظمة من ندعوه من جهة أخرى. وسيبقى الدعاء في كلّ الأوقات وخاصة في شهر رمضان المبارك، وليلة القدر، وعيدي الأضحى والفطر، هو السبيل الوحيد للوصول إلى رضى الله تعالى لأنّه سرّ خفيّ بين العبد ومولاه، وهو عين اليقين الذي به ترتفع الدرجات، وترتقي النفوس الطاهرة إلى معرفة ربّ الأرض والسماوات، وتتمّ العبادات. فنسأله تعالى أن يجيب دعانا، ويسدد خطانا لما يرضيه، إنه ولي الإجابة، وقابل الدعوات المستطابة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.