بائع الكعك واسراب الحمام / كتب المناضل الأستاذ معن بشور
لم أكن اعتقد يوماً أن رحيل شخص عادي والذي لم يكن بيني وبينه سوى كلمة “صباح الخير” القيها عليه ،وعلى مدى سنوات ،حين كنت التقيه كل صباح أثناء توجهي الى مكتبي …
بائع الكعك (أبو علي)، الذي تجاوز السبعين عاماً، كان فيه كل ملامح الجنوبي الكادح والصادق والمحب، وقد بات السلام عليه جزءاً من يومياتي على مدى سنوات ، ولاحظت مرات عديدة كيف كان أبو علي بروح المساعدة التي يملكها ، يقف في الشارع ليساعد في تسهيل مروري خلال زحمة الشارع الذي يفضي الى مستشفى الجامعة الأميركية .
ولكن كان يلفتني بالرجل النبيل أيضاً هو علاقته بالحمام وكثيرا ما كان يجتمع حول أبي علي وهو يرش عليهم قليلاً من الطعام ، وكأنه يقول اذا تسبب حكامنا ومن ورائهم في تجويع البشر فلنسعى نحن البشر الى إطعام الحمام وكل أنواع الطيور والكائنات الحية من حولنا .
في أحد الأيام وحين مررت كالعادة امام ابي علي فوجدت اعتصاماً يضم طلاب الجامعة الأميركية وأطباء مركزها الطبي والعاملين فيه ينددون بقرار بلدي يقضي بسحب عربة الكعك من مكانها . لاعلم بعدها ان الاعتصام ادى غرضه وعادت العربة الى مكانها.
كان أبو علي في نهاية الأسبوع يتوجه الى قريته العاملية ليمضي عطلة نهاية الأسبوع فيها ليعود بعدها الى عربته، بل عرينه القابع في مكانه ليبيع الكعك الذي انخفضت كمية مبيعه بعد الازمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان من 300 كعكة كل يوم الى 30 كعكة..
في بداية هذا الأسبوع افتقدناه طيلة يومين، فذهب رفيقي الأسير المحرر هاشم إبراهيم ليسأل عنه فقيل له ان أبو علي قد توفاه الله، فصعقنا وشعرنا كأن شيئاً جميلاً في حياتنا قد غاب عنا الى الابد ..
رحمك الله يا أبا علي الذي لا اعرف اسمه، ولا اسم قريته في جبل عامل، لكني عرفت فيه حال كل كادح من أبناء بلدي لا يترك عمله إلا الى القبر… ولكن القبر لن يجعل عارفيه ينسوه ويدركوا حجم معاناته وأمثاله من كادحي شعبنا.
8/2/2024