كتب الإعلامي الدكتور باسم عساف في جريدة الشرق – بيروت :* *مائة يوم مُقاومَة … ألغَت مائة سنة مُساومَة …*

*كتب الإعلامي الدكتور باسم عساف في جريدة الشرق – بيروت :*

*مائة يوم مُقاومَة … ألغَت مائة سنة مُساومَة …*

*مشاهد مدينة غزة وقطاعها ، قد أعطت للعالم أجمع ، صورة وحقيقة الكيان اليهودي ، في الإجرام والقتل ، والكذب والتدجيل ، والإستبداد والظلم ، والوحشية والقسوة ، والنفاق والإستلشاق ، وكل ما يتصف به الشيطان من نعوت ، لتظهره أنه عدو الإنسان والإنسانية ، حيث كانت الصهيونية العالمية تخفيها عن الرأي العام العالمي لقرونٍ مضت ، بأساليب ملتويةٍ ومبهرجةٍ ، حتى تتحقق غايتها في الإستيلاء على أرض فلسطين وإحتلالها ، بناء على توصيات مؤتمرهم العالمي ، الذي عُقد في مدينة بازل السويسرية عام /١٨٩٧ /وفيه إقرارٌ بإقامة الوطن القومي اليهودي ، مع تبني بريطانيا لهذا الإقرار فيما بعد ، والعمل على تنفيذه ، حتى باتت إسرائيل سنة /١٩٤٨ دولةً معتمدةً في الأمم المتحدة ، ولها مقعدها حتى بمجلس الأمن ، ولها أيضاً حق النقض الفيتو عبر حكومات الدول الخمس الكبرى ، حيث هي التي تحركها وتسيطر الصهيونية العالمية على حكوماتها ، وقد عملت على تشكيل اللوبي اليهودي عبر كل المنظمات الدولية ، التي تحركها للحفاظ على أمن وإستقرار الكيان اليهودي ، بكافة الوسائل والأساليب المتاحة لهم ، ولو تخطت كل الحدود وكافة القوانين والدساتير ، حيث يعتبرونها أنها وضعت لتثبيت حكمهم وسيطرتهم على العالم أجمع …*
إن العهود والعقود التي مرَّ بها الكيان اليهودي من فلتان عصابات الهاغانا وغيرها من التي إتخذت الإرهاب مبدأً لها ، والتي سلَّحتها بريطانيا ، وزودتهم بكل أنواع الأسلحة الفتاكة التي شرَّدت شعب فلسطين ، وقتلت الكثير منهم عمداً متعمداً ، لأجل فرض هيبتهم على أرض الغير ، وتسلطهم على من تبقى منهم صامدون في أكناف بيت المقدس …
بالمقابل ، كان الموقف الصامد لأبناء فلسطين مهما كان الثمن ، الذي عبَّروا فيه عن تشبثهم بأرضهم ليعطوا بها الدروس والعبر للعالم ، وكيف تكون الإرادة المنتظمة بالإدارة ، التي تقود الناس إلى الحق والحقيقة ، وإعطاء كل ذي حقٍ حقَُه ، وإثبات أن الأرض لأصحابها الأصليين مع كافة إنتاجها ومقوماتها ومقدساتها…
*منذ زمن المؤتمر الصهيوني ، وحتى يوم السابع من أوكتوبر ، وعملية طوفان الأقصى ، كان العرب وحكامهم يعيشون الوهم والخوف ، وتتجسد لديهم هواجس الغول الذي يتعقبهم ليفترسهم وهم أحياء ، وقد نشروا هذه الصورة أمام الشعوب العربية، تنفيذاً لمصالح قد أعدت في المطابخ الدولية ، وفي سيناريوهات مُحكَمَةِ التدبير ضمن مخططاتٍ ومؤآمراتٍ شكُلَت حرباً نفسيةً ، إستطاعت من خلالها تأمين النصر على العرب ، وإعطاء الصورة للعالم بأنهم الأقوى والأمضى سيطرة على الكرة الأرضية ، حتى قيل في جيشه ، أنه الذي لا يقهر ، وأنه يمثل الرقم الخامس دولياً من حيث القوة الإستخباراتية والعدة الإلكترونية والتجهيزات اللوجستية …*
هكذا أراد حكام العرب وغيرهم ، أن تدخل هذه النغمات والصفات إلى عقول الشعوب العربية وقبلها الجيوش ، لتهبيط المعنويات ، والسيطرة على النفوس ، والإنهزام بالإرادة والإعداد ، حتى مضت عدة حروب لم تخرج البلاد العربية وجيوشها الكرَُارة ، إلا بالهزائم والنكسات ، رغم الفارق الهائل بالعدة والعدد والإمكانيات ، التي تجهِّز جيشاً ، يعتبر الأول في العالم على كل الصعد ، ليس بالإستعراض إنما بالإفتراض ، وليس بحراسة القصور والزعامات ، إنما بالحفاظ على الشرف ةالكرامات ، وقد ضاعت معها أكثر من مائة عام على الخنوع والخضوع لحكام العرب ، أمام أولياء الأمور ، وأسياد العهور والفجور ، لئلا يخسروا المناصب والقصور ، ولا العروش والكروش ، لأنها أثمن عندهم من الشرف والكرامة ، والعِزِّ والشهامة ، فأي عرب هؤلاء ، لمن جلب للأمة العار والبلاء …
*عملية طوفان الأقصى جاءت من شعبٍ أحبَّ الفداء ، وتمَجَّد بالإباء ، فأحسن الولاء ، ليكسب الجلاء ، ويكشف الغمَّ والبلاء ، القادم من شرور الأعداء ، وأعوانهم الألدَّاء …*
لقد جاءت هذه العملية الممَيَّزة ، بعد سنواتٍ من التصميم على الإعداد الكامل والشامل بما ملكت أيديم ، وما إستطاعت إمكانياتهم ، التي صنعوا منها مجدَهم على أيديهم ، دونما منّةٍ من أحد ، حيث كانت صناعتُهم يدوية ، وبحرفيةٍ محليَّة ، قد أخرجتهم من التبعيَّة ، لا شرقيَّةٍ ولا غربيَّةٍ …
*سيما وأن غزّة قد واجهت عِدّة حروب ، كانت غير متساوية ، بين أعتى الجيوش بإمكانياته الهائلة جواً وبراً وبحراً ، وبين مجموعاتٍ بالمقابل تقاتل باللحم الحيّ ، والصدور العارية ، وأطفال الحجارة والعديد من السلاح الفردي ، تلك التي كانت نماذج الحرب الأخيرة ، المستمرة منذ أكثر من مائة يوم ، والغارقة في الجحيم والنار والدمار ، والقتل والإجرام ، والتي تتساوى مع حروب الإبادة الجماعية ، التي لا تُبقِ ولا تُذر ، لتسوِّي كل بناءٍ بالأرض ، ولتقضي على كل متحرك ، أكان من البشر أو الحجر أو من الشجر ، هكذا فقط دون تبرير ولا تحرير ، إنما إنسياق كالحمير ، لتقاد هذه الحرب دون تفكير ، فتذهب بهم إلى سوء المصير ، بعدما تهدي النصر الكبير ، لمن أعدَّ العِدَّة وأحسن التدبير …*
أهمُّ الإنجازات لحرب المائة يوم في غزّة العِزّة ، أنها كشفت المستور ، ليس عن خيانات حكام وأنظمة العرب ، وليس عن خذلان وخوف الجيش الذي يقهر فعلاً ، وليس عن حكام عالم العمالة ، المغلّفِين بالكبرياء والهالَة ، من أصحاب التخلُّف والرذالَة ، الذين بانوا على حقيقتهم بالنذالَة ، ممن كانوا يرفعون شعارات الديموقراطية والشفافية ، وأنهم أنصارحقوق الإنسان والمرأة والطفل ، ويتسابقون للدفاع عن الحريات العامة ، ويهرعون إلى المسارح ليكرِّسوا الأوسمة ، لمن يُساهم بالإنحطاط والإنحراف والشعوذة …
*إنما أنجزت وبيَّنت ، أن الصراع هو على حقيقته بين : أصحاب الحق بالأرض والعرض ، وبين أصحاب الباطل بالإحتلال والإستغلال والإعتلال ، وأن دولة الباطل ساعة ، ودولة الحق إلى قيام الساعة ، وأنه مهما عظمت القوة وإشتد الوطيس ، فلن يقوى على الإرادة والعزيمة …*
وقد أعطت غزَّة وشعبها الصامد ، المثل والمثال على الثبات والمثابرة ، مهما كانت النتائج مؤثرة ، ومهما كانت المشاهد مؤلمة ، وهذه كلها كانت السبب في جلاء الحقيقة أمام الرأي العام العالمي ، الذي خُدِع على مدى أكثر من مائة عام ، بمقولة أن الحق هو مع القوة ، وإذ بانت الصورة جلية مع حرب غزَّة بأن القوة هي مع الحق …
*هذه الصورة قد تجَلَّت مع صمود شعب غزَّة ، ومع إرادة مجاهدي غزّة ، ومع صلابة نساء وأطفال غزّة ، حتى باتت هذه الصورة في مائة يوم من المقاومة ، لتمحي عار الخيانة والعمالة في مائة سنة من المساومة …*

.