كتب الاديب الكبير الاستاذ مروان الخطيب/معروف الرَّصَافِي في غزَّة…!

معروف الرَّصَافِي في غزَّة…!

 

صدق من قالَ يوماً:
” الشِّعرُ هو ذلكَ الكلامُ المَوزونُ لحناً، العَذْبُ لُغةً، لا يتقنُهُ إلّا قلةٌ قليلةٌ حباها اللهُ بهذه المَوهبةِ الفَذَّة، فالشُّعراءُ الحقيقيون قليلون في هذه الحياة، والشِّعرُ كالمِرآةِ يعكسُ واقعَ حياتنا، فنجدُ الشِّعرَ عن الحُبِّ، والحَربِ، والفرحِ، والحُزنِ، والسَّعادةِ، والانتصارِ، والهزيمة. إنَّنا نجدُ في الشِّعرِ ترجمةً لكلِّ الأحاسيسِ العصيَّةِ على البَوح”.
وَمَنْ يقرأ معروف عبد الغني الرَّصافيَّ، يَجدْهُ ذاكَ الشَّاعرَ الشَّاعر، ويَجِدْ نفسَهُ غارقةً في يَمٍّ مُتْرَعٍ بالمَحَارِ واللآلئ. بل إنَّهُ لَوَقَّافٌ على لُمَعٍ شِعريَّةٍ تتَّسِمُ بحَرارةِ الوَقدِ الإبداعيِّ، وبامتلاكِ شاعرنا ناصية اللُّغةِ وفحوى الفنِّ الشِّعريِّ، ورؤياهُ العميقة في حقيقةِ الأدبِ ودوره في الحياةِ، قيمةً فنيِّةً ذاتَ بُعدٍ جَماليٍّ، والتزاماً بقضايا النَّاسِ والمجتمعِ، وصولاً إلى المُبتَغَى الأسمى والأصفى، والأنقى، الذي لا تحلو الحياةُ بغيابِهِ عن مضمونِها ومسيرتِها…!.
ويرى قارئهُ أيضاً، فُسَحَاً ذاتَ نبضٍ وإيقاعٍ يحملُ الذَّاتَ الآدميَّةَ إلى ابتهاجٍ نفسيٍّ بما يؤدِّيهُ الشِّعرُ في حُضورِهِ الاجتماعيِّ المُبْهِج، والذي يتجاوزُ مَحْدُودِيَّةَ التأثيرِ، إلى مجالٍ أرحبَ، يصلُ إلى تعميمٍ، تكونُ الشَّمسُ والقمرُ فيه قائمينِ في مجالِ بثِّ النُّورِ والطمأنينةِ، كِنَايةً عمَّا يجبُ على الشَّاعرِ من دَوْرٍ فاعلٍ وبارزٍ، ينبغي أن ينبريَ إليه في أدائه الإبداعيِّ، وصولاً إلى تحقُّقِ الرِّسالةِ المنوطةِ به، عَبْرَ التزامِهِ الأدبيِّ المرتبطِ بحقيقتِهِ الإنسانيَّةِ وارتقائها إلى معالي القُطُوفِ المُخْضَلَّةِ بفَحوى وفلسفةِ الأمان والطُّمأنينةِ والجمال. وهذا ما عبَّرَ عنه في قصيدة(شكر ووداع)، حيث قال رصافيُّنا: ”
أعِرنِي لِسَاناً أيُّها الشِّعرُ للشُّكرِ وإنْ لمْ تُطِقْ شُكراً، فلا كُنتَ من شِعْرِ
وجِئنِي بنُورِ الشَّمسِ والبْدرِ كي أرى
بمَعناكَ نورَ الشَّمسِ يُشرقُ والبَدرِ
وحُمْ حَوْلَ أزهارِ الرِّياضِ تطيُّباً
بها مثلما حامَ الفَراشُ على الزَّهرِ
وقُمْ في مقامِ الشُّكرِ وانشرْ لواءَهُ
برأسِ عَمُودٍ، خُذْهُ من غُرَّةِ الفَجرِ”.
وشاعرُنا الرَّصافيُّ المُتَوَفَّى منذُ ما يُقاربُ الثَّمانين سنة، نشعرُ وكأنَّهُ يعيشُ معنا هذه الأيامَ، فينبري إلى خَفقِهِ ومدادِهِ ويراعتِهِ، فيدوِّنُ أعمقَ الأشعارِ حيالَ ما يرى من خذلانِ الأنظمةِ السِّياسيَّةِ وحُكَّامِها، تجاهَ الجَرائمِ التي يرتكبُها عَدُوُّنا الصَّهيونيُّ الغاصبُ في غزَّة هاشم والشافعي، وتجاهَ الدِّماءِ والأشلاءِ المُبَعثرةِ في الأفق والهواء هناك!.
ونقرأ لشاعرِنا ما يُدمِعُ مآقينا ويُبكي قلوبَنا، ويشحذُ أرواعَنا وعقولَنا نحو ما يجبُ أن نكونَ عليه في مواجهةِ ما نعاني ونُكابدُ ونرى.
يقولُ رحمه الله تعالى:
“عجبتُ لقومٍ يخضعونَ لدولةٍ
يسوسُهم بالمُوبِقات عميدُها
وأعجبُ من ذا أنهم يَرْهبونها
وأموالُها منهم ومنهم جُنودُها
إذا وُلِّيِتْ أمرَ العبادِ طُغاتُها
وسادَ على القَومِ السَّراةِ مَسُودُها
وأصبحَ حُرُّ النَّفسِ في كلِّ وِجهةٍ
يُرَدُّ مُهاناً عن سبيلٍ يُريدُها
وصارتْ لئامُ النَّاسِ تعلو كِرَامَها
وعابَ لبيداً في النَّشيدِ بليدُها
فما أنتَ إلاّ أيُّها المَوتُ نعمةٌ
يعِزّ على أهل الحِفاظ جُحودُها
ألا إنما حُرّيَّةُ العيشِ غادةٌ
مُنى كلِّ نفسٍ وصلُها ووفودُها”.
ثمَّةَ تحضيضٌ يبثُّهُ شاعرُنا، ويوجهُهُ إلى أبناءِ الأمَّةِ وشعوبِها، مُستَغرِباً ومُسْتَنكِراً صمتَها، وما يُشبهُ الخُنوعَ، وهي لاهيةٌ عن رُعاتِها وحُكَّامِها الآبقينَ، والذينَ يأكلونَ من مالِها ويتقَوَّونَ برجالِها، ويقومونَ عليها بالشُّرُورِ والمُوبِقَات!. ثمَّ يَصرخُ حتَّى يصلَ صَوتُه عَنانَ السَّماء، مُعلِناً أنَّ هؤلاء الحاكمينَ ما هم إلَّا طغاة مستبدون، وأنَّ الحياةَ في ظلالهم هي الموتُ الزُّؤام، والفناءُ الضَّنيكُ المُهلِك، وهمُ الوضيعونَ الذين استبعدوا عن مركز القرارِ والشَّأنِ سَراةَ القومِ وأعيانَهم والشُّرفاءَ الأنقياءَ والأصفياءَ، العالمينَ بما يقيمُ حالَ النَّاسِ بالخيرِ والسَّيرِ الحَسَن. بل أكثرَ من ذلك، غدا أولئل الصَّاعدونَ في معارجِ الفهم والعدل، يُمنَعُونَ عن تنفيذِ رأيهم الحَصيفِ والحَصينِ في مُجرَيَاتِ الأمورِ والحياة، لينوبَ عنهم الأنذالُ الوضيعُونَ في القيامِ بشأن النَّاسِ و أحوالِ خِيارِ القوم.
ثمَّ نتابعُ شَاعرَنا في تَرَقِّيه أنوار حكمتِهِ، حتَّى نُصَرِّحَ بالفَمِ المَلآنِ : يا له من تعبيرٍ بليغٍ وسام، حين يقولُ رَصَافيُّنا:
:”وصارَ لئامُ النَّاسِ تعلو كِرامَها
وعابَ لبيداً في النَّشِيدِ بليدُها”.
إنَّهُ توصيفٌ دقيقٌ لواقعِ حالِنا وحياتِنا، حيثُ يقودُنا، ويعتلي سُدَّاتِ القَرارِ والحُكمِ في بلادِنا اللِّئامُ، الرُّويبضَاتُ، التَّافهون، والذين يقومون على شُؤونِ النَّاسِ بالجَهلِ والعَمَالةِ والمَكرِ، وبالانبطاحِ السَّخِيفِ الوَضيعِ أمامَ أعداءِ الأمَّةِ. بل أكثرَ من ذلكَ، حيثُ يَنُوبُون أو يُشاركون الأعداءَ الغاصبين والمستعمرينَ في قتل أبناءِ أمَّتِهم، وفي سَفْكِ دمائهم وتدميرِ ممتلكاتهم. وهذا ما يجري في غَزَّةَ بالتَّمامِ والكمال. بل إنَّ الخِسَّةَ والوَضاعةَ قد بلغتْ فيهم مبلغَها، فنراهم يُعيبون على المُجاهدين الأبرارِ جهادَهم ومقاومتَهم لغاصبي أرضهم وسافكي دمائهم، تماماً كما عابَ البَليدُ الوَضيعُ الشَّاعرَ الصَّحَابيَّ الجليلَ لبيد بن ربيعة، والذي كفاهُ فخراً بأنَّ الرَّسولَ مُحمَّداً صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، قد قالَ فيه، في الحَديثِ الذي رواهُ الإمامُ مُسلمٌ في صحيحه عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ تعالى عنه:” أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ”.
وأمامَ هذا القَتَامِ المُدْلَهِمِّ الأليل، ماذا عسانا نفعل، ويُجيبُنا شاعرُنا الرَّصافيُّ الأصيلُ قائلاً:
“فما أنتَ إلَّا أيُّها المَوتُ نعمةٌ
يعزُّ على أهلِ الحِفاظِ جُحُودُها
ألا إنَّما حُرِّيَّةُ العيشِ غادةٌ
مُنَى كُلِّ نَفْسٍ وصلُهَا ووفُودُها”.
لا يَظُنَّن ظَانٌّ بأنَّ شاعرَنا الأبيَّ يدعونا إلى الموتِ- الانتحارِ هُروباً وتخلُّصاً من هذا الواقعِ المقيتِ الذي تكلَّمَ عليه بجرأةٍ وشجاعة، بل إنِّ القارئ العميقَ في ثنايا قصيدِ الرَّصافيِّ لَيُدرِكُ تمامَ الإدراكِ والفكرِ والعقلِ والتَّبَصُّرِ، بأنَّ ابنَ بغداد العليَّة والرَّصافةِ البَهِيَّة، إنَّما يدعو أبناءَ الأمَّةِ للقيامِ بالتَّغييرِ على حاكميهم الجُبَنَاءِ الأنذال، ولو أدَّى هذا القيامُ إلى أنْ يدفعوا حياتَهم ثمناً له. ويؤكِّدُ ما ذهبنا إليه جرأةُ الشَّاعر في بسطِ المعاني التي أتتْ أبياتُهُ عليها…، فالحاكمون يأكلون من أموال شعوبهم، ويمتلكونَ القوَّةَ والمَنَعَةَ بأبنائها. ثُمَّ إنَّ الحياةَ المُحَرَّرةَ من الاستعباد، هي كتلك الغَادةِ الحَسناءِ الكريمةِ والأصيلة، والتي تُوجبُ على حبيبها ومُريدِها أنْ يُضَحِّيَ من أجلِ أنْ تكونَ له شريكةً في حياةٍ ملؤها الحُبُّ والأمانُ والاطمئنان…!.
وبهذا يكونُ شَاعِرُنا معروف الرَّصافيُّ، قد حَفَرَ حُضُورَهُ الرَّفيعَ والعَلِيَّ قامةً بهيرةً في رُكنِ الالتزامِ الشِّعريِّ والأدبيِّ، فهو لا يكتبُ الشِّعرَ لقيمةٍ جَماليَّةٍ وحسب، أو يكتبُ الشِّعرَ من أجلِ الشِّعرِ ذاتِهِ، وإنَّما ينزفُهُ وهو ينظرُ أوجاعَ وآلآمَ وأشواقَ وأحلامَ أمَّتِهِ، رغبةً بأنْ تتحَرَّرَ الأخيرةُ من نيرِ الطُّغاةِ المُستَبِدِّينَ، الذينَ يعملونَ لمصالحِهم الخاصَّةِ وأنانيَّاتِهم الضَّيِّقةِ الحَاقدة، عَبْرَ تحقيقِ مصالحِ المُستَعمِرينَ، ولو كانَ في ذلك، هَلاكُ شُعُوبِهم وسَرِقَةُ خَيرَاتِهم، وتبديدُ آمالِهم، وهتكُ حُرمةِ دمائهم…، وما يجري في غَزَّةَ ليس عنَّا ببعيد…!.

مَروان مُحمَّد الخطيب
6/11/2023م
كتب الاديب الكبير الاستاذ مروان الخطيب
مع صورته
علي يوسف تمام ..بدون نشر
الفيلم الأردني إنشالله ولد يفوز بجائزة أفضل ممثلة في جوائز شاشة آسيا والمحيط الهادي
****************
حصل الفيلم الأردني إنشالله ولد للمخرج أمجد الرشيد على جائزة أفضل ممثلة ضمن فعاليات النسخة الرابعة والعشرين من جوائز شاشة آسيا والمحيط الهادي، ليصبح في رصيده 8 من الجوائز الدولية، إذ تلقى مؤخرًا جائزة أفضل سيناريو لفيلم روائي طويل في مهرجان ميستك السينمائي ضمن نسخته السادسة في الولايات المتحدة الأمريكية.
وكانت الهيئة الملكية الأردنية للأفلام قد اختارت الفيلم لتمثيلها رسميًا في المنافسة على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي لعام 2024، وسبق وحقق علامة فارقة في تاريخ السينما الأردنية إذ فاز بجائزتين في مهرجان كان السينمائي وهما جائزة جان فاونديشن وجائزة ريل دور للفيلم الروائي الطويل أثناء مشاركته في قسم أسبوع النقاد حيث سجل أول مشاركة لفيلم روائي طويل أردني في المهر…