من هو المكلَّف شرعًا / بقلم الشيخ أسامة السيد/ الشراع

الشراع 13 تشرين اول 2023

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسُوله والمؤمنون وستردُون إلى عالم الغيب والشَّهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} سورة التوبة.

مما هو معروفٌ ومشهورٌ حكمه بين المؤمنين بحيث لا يختلف في ذلك اثنان منهم أن المرء لا يكون مكلَّفًا أول ما يولد بل المكلَّف هو البالغ العاقل الذي بلغته دعوة الإسلام. وقولنا مكلَّفٌ معناه يجب عليه أن يؤدي الواجبات ويجتنب المحرَّمات، فإن المرء إذا صار مكلَّفًا تكتب عليه السيئات فإن عصى الله تعالى بأن ترك فرضًا أو اقترف حرامًا كتبت الذنوب عليه، وأما قبل البلوغ فلا تكتب عليه سيئاتٌ ولكن تكتب له الحسنات التي يعملها إذا بلغ سن التمييز وهذا من رحمة الله تعالى. ومعنى بَلَغَ سنَّ التمييز أي صار يفهم الخطاب ويرد الجواب أي يتكلم بفهمٍ لما يُلقى إليه من الكلام ولو لم يكن بالغًا، ويحصل التمييز عادةً ببلوغ سبع سنين قمرية وفسَّر بعضهم التمييز بأن يستقل بأمور نفسه أي يأكل ويشرب ويستنجي من البول والغائط وحده.

وأما البلوغ بالنسبة للذكر فيكون بحصول أمرٍ من اثنين: خروج المني أو بلوغ خمس عشرة سنة قمرية، وللأنثى بحصول أمرٍ من ثلاثةخروج المني أو دم الحيض أو بلوغ خمس عشرة سنة قمرية. فمن كان دون البلوغ فليس من أهل التكليف فإن مات دون البلوغ نجا في الآخرة كائنًا من كان، سواء كان من أي أبوين مسلمين أو غير مسلمين.ولكن ليس معنى ذلك أن يُهْمَل الصبي أو الصبية بدعوى أنه ما زال دون سن التكليف فإنه يجب على ولي الصبي والصبية كالأب والأم مراعاة أمورٍ تتعلَّق بأولادهم عند بلوغ الأولاد سن سبع سنين قمرية ولسنا في صدد شرح ذلك وتفصيله الآن، ولكننا ننصح الآباء والأمهات بتعلُّم ما يجب عليهم تجاه أولادهم، فإن هؤلاء الأولاد أمانة في أعناق والديهم ولهم حقوقٌ عظيمةٌ يجهلها كثيرٌ من الآباء والأمهات وكم يأثم آباءٌ وأمهاتٌ بتضييع الحقوق الواجبة عليهم تجاه أولادهم بدعوى أنهم ما زالوا صغارًا فضلًا عن بلوغهم سن التمييز أو سن البلوغ في كثيرٍ من الأحيان.

العقل وبلوغ الدعوة

وأما قولنا العاقل” فالمعنى أنه خرج بذلك غير العقلاء فإن مناط التكليف العقل فمن جُن دون سن البلوغ واتصل جنونه إلى ما بعد البلوغ واستمر هذا الجنون إلى الموت فإنه ناجٍ أيضًا في الآخرة لأنه لم تمض عليه مدةٌ يكون فيها مكلَّفًا، أما من بلغ عاقلًا ثم جُن بعد البلوغ فإن حكمه يختلف باختلاف حاله لأنه إن كان حين جنونه كافرًا واتصل جنونه إلى الموت مات كافرًا، وإن كان حين جنونه مؤمنًا واتصل جنونه إلى الموت مات مؤمنًا.وإن كان الجنون بعد البلوغ يعتريه أحيانًا ويبرأ منه أحيانًا فإنه مكلَّفٌ حين يكون عاقلًا وغير مكلَّفٍ حين يكون مجنونًا. والمجنون هو الذي فقد عقله فلا يدري ماذا يقول ولا ماذا يفعل، وذلك أنه يُشكِل على بعض الناس الفرقُ بين المجنون وبين البليد الذي لا يفهم الكلام من المرة الأولى إلا بعد أن يُكرر عليه عدة مراتٍ فإن هذا البليد أو الغبي مكلفٌ لأنه عاقلٌ بل يمكن أن يقوى عقله بالاعتناء به مرةً بعد مرةٍ بخلاف المجنون.

ويناسب في هذا المقام إيراد مسألةٍ مهمةٍ فنقول: لا يجوز تفضيل الجنون على العقل بل إن تفضيل الجنون على العقل ضلالٌ مبين والعياذ بالله، وقد كان الأنبياء الكرام عليهم السلام أعقلَ الناس وأكثرَهم فِطنةً فكيف يسوغ لإنسانٍ تفضيل الجنون على العقل، فإنمن رزقه الله العقل يستطيع بعقله أن يميز بين ما يضره وما ينفعه على ضوء الشريعة الغراء ويسير على الصراط المستقيم فيصل إلى المراتب العالية ويفوز في الآخرة فوزًا عظيمًا، ولا يخفى ما في استعمال العقل السليم وما يتأتى من بصيرة العقل من خيرٍ ونورٍ فإن الله تعالى يقول:{وقالوا لو كنَّا نسمع أو نعقل ما كنَّا في أصحاب السعير} سورة الملك. وبالتالي فلا يُهمل العقلَ إلا جاهلٌ، وحيث جعل الشرع مناط التكليف العقل ولم يجعل فاقد العقل مكلَّفًا دلَّ هذا على أهمية دور العقل في الوصول إلى النهج السويِّ والنتائج المرضية.  

وقولنا بلغته دعوة الإسلام خرج به من لم تبلغه دعوة الإسلام والمراد بلوغ أصل الدعوة أي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أو ما يُعطي معنى الشهادتين بلغةٍ يفهمها، فإن من سمع في الأذان أو غيره الشهادتين وفهم ذلك بأن عقل ما يقال وكان بالغًا صار مكلَّفًا، أما من سمع الشهادتين بلغةٍ لا يعرفها فلم يفهم ما يُقال أو سمع فقط أن دينًا اسمه الإسلام ولم يعرف شيئًا عن الإسلام فليس مكلَّفًا فإن مات كان من الناجين في الآخرة مهما كان حاله في الدنيا. ومن هنا يُعلم أن أهل الفترة أي الذين عاشوا بين رفع المسيح عيسى عليه السلام إلى السماء وبعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوا بدعوة عيسى ولا بدعوة محمدٍ ولا بدعوة أحدٍ من الأنبياء عليهم السلام ناجون يوم القيامة أي لا يُعذَّبون بالنار وإن كانوا من حيث التسمية يسمَّون كفَّارًا، ولكن ليس حالهم وإن نجوْا كحال من آمن بالله ورسُوله في درجات الجنة، وقد استدل القائلون بذلك بقوله تعالى:{وما كنَّا معذبين حتى نبعث رسولًا} سورة الإسراء. وحيث لم يسمع هؤلاء بدعوة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولا بدعوة نبيٍ قط فلا يُعذَّبون يوم القيامة وبهذا قال جمهور أهل العلم وبه نقول.

وعن أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رُفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل” رواه الإمام أحمد. واستفيد من الحديث أن النائم أيضًا لا حرج عليه حتى لو رأى في المنام أنه يسرق أو يقتل أو يزني أو رأى أنه يقول الكفر أو يفعل كذا وكذا مما يحرم فعله في اليقظة فليُفهم هذا فإنه مهمٌ.

والحمدلله أولًا وآخرًا.