الشراع 25 ايلول 2023

مع سقوط كل المهل الزمنية التي جرى الحديث عنها والترويج لها لاجراء الانتخابات الرئاسية، كمدخل للولوج الى باب المعالجات في البلاد، فان التعثر بات اليوم سيد الموقف وحتى اشعار اخر.

والذين تحدثوا عن أيلول كموعد مفترض للتسوية المنشودة بدءا بحوار او تشاور بوساطة فرنسية  من اجل  تمرير الانتخابات الرئاسية  اكتشفوا ان ما توقعوه كان اقرب الى التمنيات ولا صلة له بالواقع.

وبدلاً من ان يشكل اجتماع نصف الساعة الأخير للجنة الخماسية في نيويورك قوة دفع للجهود الرامية لاخراج لبنان من ازماته المتعاقبة، فان نتائجه وما تسرب من خلافات سادته أدت الى فرملة ولجم ما بني من آمال عليها ، الى درجة دفعت بالكثيرين من الذين راهنوا على الاجتماع الى التشاؤم .

اما ما زاد “الطين بلة” في هذا السياق، فيتعلق بما بدأ يشهده لبنان من مؤشرات على ما يمكن ان ينتظره على صعيد الامن والاستقرار وثبات سلمه الأهلي. وابرز ما ظهر من مؤشرات وهو معروف فيمكن الإشارة اليه كما يلي:

اولاً: اطلاق النار على السفارة الأميركية في عوكر ،في اعتداء وصفه الرئيس نجيب ميقاتي بانه يمس سيادة لبنان. وهو امر لم يحدث منذ عقود بصرف النظر عن الجهة الداخلية او الخارجية التي نفذته.

فهو ليس مجرد اطلاق نار عابر كما يقول دبلوماسي مخضرم ل”الشراع . وما قالته السفيرة الأميركية دروثي شيا حول انه ” لن يخيفنا لان الإجراءات الأمنية في السفارة متينة جدا” يشير بوضوح الى ان التعاطي معه اميركيا يتم ليس باعتباره حادثا عاديا يمكن ان يحصل في أي بلد ، بل باعتباره رسالة انذار موجهة لواشنطن عبر سفارتها  وهو مجرد بداية وان لبنان اليوم لم يعد لبنان  الذي يتحرك فيه الاميركيون بحرية ويسر وبشكل طبيعي كما فعل الموفد الأميركي آموس هوكشتاين عندما قصد بعلبك واكل مناقيش امام صخرة الروشة في بيروت .

ومن شأن ذلك ان يطرح علامات استفهام أيضا ًحول ما اذا كانت الرسالة تشمل لبنان كخط لوجستي للقوات الأميركية المتواجدة في سورية، إضافة الى الكثير مما يتعلق بالحضور الأميركي في بلاد الأرز وعلى كل المستويات.

وكل ذلك مطروح بصرف النظر عن الجهة التي تولت توجيه رسالة الإنذار هذه سواء كانت دولية ، ترد على الموقف الأميركي في مواجهة روسيا في أوكرانيا او إقليمية ترد على سياسات واشنطن في المنطقة ومن ضمنها لبنان .

وفي كل الأحوال ، يخلص الدبلوماسي المخضرم الى القول ان خطورة ما تنطوي عليه هذه الرسالة هو تحول لبنان الى ساحة لتوجيه الرسائل سواء من قبل خصوم الولايات المتحدة او من قبلها للرد عليهم.

ثانياً:موضوع احداث مخيم عين الحلوة ، وما تحمله من دلالات على ما يمكن ان يحصل في حال سقط اتفاق وقف اطلاق النار السائد حاليا ولم يتم التوصل الى ما يضمن التهدئة بشكل كامل وواسع وفعلي ليس فقط في المخيم المشار اليه الذي يعتبر عاصمة الشتات الفلسطيني ،بل في كل المخيمات الفلسطينية التي يقول خبير عسكري لبناني ل”الشراع” انها باتت اليوم قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت.

وما سرب حتى الان على هذا الصعيد يشير بوضوح الى وجود احتمالات خطيرة في استهدافاتها تتجاوز طبيعتها مشكلة من هنا او هناك قد تتسبب باندلاع اشتباكات ،لتطال الحضور الفلسطيني ككل في لبنان ومستقبله من خلال ما سقوط حق العودة والتوطين وقطع الطريق على إمكانية الذهاب الى حل الدولتين في فلسطين المحتلة.

وكل ذلك في حال طبق ستكون انعكاساته على لبنان فادحة ومدمرة ،وهو بالطبع ما يفرض العمل على حله من خلال تحرك لبناني واسع وشامل ليس َمتاحاً في الظروف الحالية.

ثالثاً: ازمة النزوح السوري التي تتوالى فصولها من دون توقف وفي عملية تصاعدية غير مسبوقة ، خصوصاً مع الارتفاع اليومي في اعدادهم لا سيما بعد لجوء النازحين السوريين في تركيا الى اختيار لبنان كوجهة جديدة لهم بعد قرار حكومة رجب طيب اردوغان بابعادهم.

ورغم ان الجيش اللبناني يقوم بما يمكنه القيام به وفق قدراته ، وكذلك القوى الأمنية الأخرى. ورغم ارتفاع أصوات المسؤولين اللبنانيين للتنبيه والتحذير مما يمكن ان ينجم عن ذلك من مخاطر على لبنان الكيان خصوصاً وان اعداد النازحين السوريين بدأت تقارب اعداد اللبنانيين المقيمين، فان المعالجات ما زالت غائبة ، ليس فقط في مواجهة تزايد اعداد النازحين بل وأيضاً في إيجاد الحلول من اجل إعادة من يمكن اعادته ،إضافة وهذا هو الأهم الى العجز في مواجهة الموقف الدولي ولا سيما الأوروبي الذي لا هم له الا ضمان عدم تدفق النازحين السوريين الى سواحل أوروبا ولو على  حساب لبنان دولة وشعباًومؤسسات، وحتى ككيان يتحمل الوزر الاقتصادي والمالي الضخم والذي يتجاوز قدرته على ذلك على كل الصعد وفي كل الميادين والمجالات.

وبالطبع ،فان كل ذلك لا يلغي الكلام عن مسائل أخرى وقضايا عديدة ، تتعلق بطبيعة وواقع البلاد وطبقته السياسية المنقسمة والفاسدة بمعظم قواها واطرافها وتغليبها منطق مكاسبها على المصالح العليا للبلد وابنائه رغم ما يمر به من هزات تبدو مقدمات لزلزال مدمر .

ولعل ذلك ما يؤكد ان ما يجري اليوم يتجاوز الخلاف على حوار من هنا او هناك او انتخاب رئيس جمهورية ، او مواصفات رئاسة بهذا الشكل او ذاك، كما يطرح السؤال حول ما اذا كانت لعبة الأمم المحتدمة حالياً في العالم والمنطقة  حولت لبنان الى جزء أساسي من ساحاتها بعد ان بات اليوم في دائرة تلقي الرسائل النارية ؟ ام ان الامل ما زال قائماً وإن كان ضعيفاً في ظل الظروف الحالية  بإمكان الخروج من دوامة الوضع الحالي بأقل الخسائر الممكنة ؟