كتب الإعلامي الدكتور باسم عساف :*الفيدرالية بالترسيم … حصان طروادة للتقسيم…*
*دخل لبنان معترك التفتيش عن نظام جديد يتماشى مع المستجدات على الساحة الإقليمية ، وتداعيات الأحداث الدائرة بالمنطقة العربية ، مع عودة التوترات إلى العراق وسوريا ولبنان ، حيث تشهد هذه البلدان إعادة التموضع لمواقع مراكز القوى ، وتجسيد التحرك الطائفي والمذهبي على أرض الواقع ، وإطلاق شعارات وعناوين تدل على مسار المنطقة ، ومسيرة خارطة الطريق فيها ، للدلالة على خيوط وخطوط الطول والعرض ، التي تحدد مساحات التحرك ، وجغرافيتها لكل مجموعة من جماعات التوزيع الطائفي والمذهبي والإثني ، وتموضعها وفق الخارطة ومخططاتها المرسومة …*
إن إفتعال المشكلات بإنعقاد المجلس النيابي وكيفية إتمام الإستحقاق الإنتخابي للرئآسة الأولى ، والتفاسير المتحيزة لكل جانب في عملية تطبيق الدستور ، ووجوب إنعقاد المجلس بصورة دائمة ومستمرة لحين إتمام الإنتخاب ، حيث أنه يعتبر كهيئة ناخبة فقط وليس مجلساً تشريعياً في هذه الحالة ، مع ما يرافقها من دعوات للحوار لتزيد الطين بلة في حشر المعارضين بزاوية : (أنا أو لا أحد ) …
*وهذه التفاسير تعجب العديد من الكتل البرلمانية بحيث تتوافق مع تعليمات الموجِّهين من الخارج ، ليبقى لبنان على خط الإنتظار لحين أن تستوي طبخة الشرق الأوسط الجديد ، وتتهيأ خيوط خارطة الطريق لمفعولها بتسوية المنطقة ، وهكذا يكون ممثلوا السلطات التشريعية والتنفيذية وأيضاً القضائية ، جميعهم بالهوا سوا وعلى سرير العناية الفائقة دون أي حراك أو تحرك ….*
أركان المنظومة السياسية بشتى ألوانها وأطيافها مشتركون بمسرحية واحدة ، وينطبق عليهم بأنهم مشتركون بفيلم أميركي طويل ، له المنتج الذي كتب تفاصيل السيناريو ، وله المخرج الذي يدير اللعبة ويوجه الأوامر ، وهؤلاء الأركان الممثلون الذين يجيدون اللعب على الحبال البهلوانية ، يؤدون دورهم على أكمل وجه إلتزاما بنص السيناريو ، حيث يتوزعون إلى أبطال من الموالين ، وإلى خائنين من المعارضين ، ويمضي تسويق الفيلم وعرضه على الجمهور من فئآت الشعب ، الذين يتابعونهم في الفيلم الطويل ، أو يتعقبونهم في حلقات المسلسل ، إما مع البكاء على حالة المعارضين ، أو مع الضحك لمحاصصات الموالين ، بإنتظار كلمة الفصل من المخرج ليعلن إنتهاء المسلسل والنصر المبين بتحقيق الغاية التي تبرر وسيلته …
*من عناوين المسلسلات والأفلام التي تعرضها المنظومة السياسية ، تلك المتعلقة بصلاحيات السلطات الثلاث ، بعدما عمدوا إلى تعطيل ميثاق ودستور الطائف ، وبدأوا بالعبث به عبر التفسيرات المصلحية الفئوية ، التي تتناغم مع الشعبوية المذهبية ، فإنطلقت دعوات المثالثة ثم المؤتمر الدولي ، ثم الثورة التصحيحية وإنتفاضة التغيير ، ثم اللامركزية الإدارية ، ثم اللامركزيةالموسعة ، ثم اللامركزية الإدارية والمالية ، وأضيف عليها القانونية والقضائية ، إلى أن باتت دعوة الفيدرالية بكل أبعادها وإدخال الطائفية عليها ، ولو كانت غير موحدة جغرافياً (كالقبيات وجونية وزحلة)تمثل فيدرالية موحدة على سبيل المثال أو (طرابلس وصيدا والبقاع الغربي) كمثل آخر ..*
وهكذا بكل صفاقة وتسليات مزاجية تكون طروحات فلاسفة المنظومة السياسية لأجل إشغال الناس بجدلٍ بيزنطي لا يُغنِ ولا يُسمن من جوع الناس ، الذين يتلهفون لأي حلٍ يُخرجهم من جهنَّم التي أدخلوهم إليها ، بفعل فسادهم وعنادهم ، بالبقاء على الكراسي والمناصب ، حيث باتت هي الهمّ الأكبر لهم دون حاجات المواطنين وآلام الشعب ، الذي هو مصدر السلطات المعطلة …
*اللامركزية كيفما كانت ، والفيدرالية كيفما طرحت ، لا يمكن التحدث بها إن لم تكن هناك دولة واحدة موحدة قوية بمؤسساتها وأجهزتها وسلطاتها لتتحقق تلك بإشرافها وتسيير أمورها ، إن كانوا يريدون إعتبارها كسويسرا أو أميركا أو ألمانيا أو الإمارات العربية المتحدة …*
حيث تسير تلك بنظامٍ قوي ، يعتمد على السلطات والصلاحيات المركزية في إدارة الشؤون الفيدرالية غير المبنية على الطائفية والمذهبية كما تطرح في لبنان ، بينما هي ولايات أو مقاطعات أو إمارات جغرافية وإدارية ذات نطاق ومساحاتٍ واحدةٍ ، بعيدةٍ كل البعد عن المحاصصات الفئوية والسياسية التي درجت عليها منظومتنا السياسية …
*وقد إستخدمت لها الدعوات الطائفية ومرجعياتها لتكريس التقسيم الفكري والنفسي والشعبي ، حتى تتكرس مع دعوات التقسيم المبني على خارطة الطريق ، التي تجري معها تسويات المنطقة على أساس طائفي ومذهبي وعنصري ، وهذا الأخطر على الأمة وعلى لبنان بالذات ، عبر التطبيع الفكري والنفسي ، الذي يرضي ويجاري ويقتدي بخارطة الطريق …*
ويتناسى هؤلاء شعار الوحدة الوطنية ، وأيضاً العيش الواحد المشترك ، ولبنان بلد الحضارات والحوار بين الأديان ، التي إندثرت جميعها لتحل مكانها ، *(لنا لبناننا ولكم لبنانكم) ، (ولبنان الإتحادي يجمعنا )* وهذه تطلق اليوم علناً بأكثر من مناسبة وتتخذ بمواقف صارمة ، بعد مائة سنة من التكاذب والتملق بلبنان الكبير الواحد الموحد….
*من هنا تكون الهزيمة في الحرب النفسية التي تواجه شعوبنا في التشتيت والتشريد والتقسيم ، لمصلحة الكيان اليهودي ، الذي يتحول من أصغر كيان في المنطقة ، ليصبح أكبر كيانٍ وكانتونٍ ، بين الكانتونات الصغيرة المذهبية المتقاتلة والمتناحرة المحيطة به ، وهكذا تبدأ الطروحات بصغرها كاللامركزية لتكون كحصان طروادة ، فتدخل حصن الأمة للتقسيم ، وتشريد شعوبها بالفيدرالية والترسيم ….*