من مذكرات عسكري سوري التحق بجيش الإنقاذ: معركة القدس/ كتب: عبد الهادي محيسن/ الشراع 11 ايلول 2023

 

الشراع 11 ايلول 2023

بفعل تغيير في تنظيم مواقع قواتنا انتقلنا في أول شهرأيار 1948 الى مدينة القدس وانضممنا الى فوج اليرموك الثاني ، وكان المقر في المدينة القديمة قرب باب الواد بمكان يُعرف بالروضة يقع بجوار قبة الصخرة ومقابل حائط المبكى ، وقوات جيش الإنقاذ هنا يسيطرعليها الإخوان المسلمون بقيادة الشيخ مصطفى السباعي وتشكيلات أخرى فلسطينية وعربية .
كنا في القدس القديمة في السابع من أيار وكانت المدينة كلها بيد أهلها وتسيطر عليها قواتنا ومن ضمنها حي اليهود أما القدس الجديدة فكان معظمها بيد العرب : حي الشيخ جراح ، وادي اللطرون ، نوتردام ، باركلس ، ومناطق باب الجديد باب العمود باب النبي داود منطقة العلمين باب الخليل وكانت تتمركز أعلى الأسوار قوات جيش الإنقاذ وبعض الأهالي .
ليل 15\16 أيار بعد إنسحاب الإنكليز من القدس القديمة صدرت لنا الأوامر باحتلال موقع عسكري أقامه الإنكليز ويشرف على الحي اليهودي بعدما أخلوه متأخرين ويقع الموقع في مكان يدعى باب السلسلة .. جاء لنا الأمر بالتقدم واحتلال هذا الموقع فور إخلاءه ، ذهبنا هناك في ممرات ضيقة قديمة تحيط بها أسوار عالية وقبل أن نصل الهدف إنهمرت علينا القنابل اليدوية من المرتفعات المحيطة وبدأ إطلاق النار .
تبين أن القوات الإنكليزية سلمت الموقع لليهود قبل موعد إنسحابها بأيام وجرت معركة قاسية تمكنا بعدها من السيطرة على الموقع وطرد اليهود منه وانكشف بذلك قسم كبير من الحي اليهودي أمامنا ، وكانت هذه أول معركة لنا في القدس ، بعد ذلك بدأت المعارك ولم تتوقف والمناوشات مستمرة ودورياتنا تجوب المناطق كلها سواء في القدس الجديدة أو القدس القديمة والمسافات طويلة ومن أهم المعارك التي خضناها هي إحتلالنا الحي اليهودي في القدس القديمة احتلالا لم يشارك فيه بأية صورة الجيش الأردني في المدينة .
في ساعات الصباح الأولى من فجر يوم الجمعة من أيام شهر حزيران توجهت دورية الى منطقة الباب الجديد المعروف بنوتردام نسبة الى كنيسة للراهبات اللاتين ، وهي ملاصقة لسور الباب الجديد من المدينة القديمة ، وعندما ذهبت دورية لإجراء عملية إستبدال وتسلم المهمة من الدورية السابقة وما أن وصلت الدورية الى تلك النقطة حتى فوجئت بسكون مريب ، وفجأة إنهمرت علينا النيران واشتد إطلاق النار وفوجئ رفاقنا وسقط لنا عدد من الشهداء .
جرت معركة وأُرسلت النجدات وكنت في عدادها وقد احتل اليهود الكنيسة التابعة للراهبات فقط ولا يدخلها الرجال ، كما احتلوا المستشفى المقابل ومن هناك صاروا يطلقون نيران أسلحتهم فبدأنا بالهجوم وجئناهم من جهة القدس الجديدة عبر باب العمود صعودا نحو شارع باركلس ومن جهة سور باب الجديد ومن محاذاة كنيسة القيامة ، ومن الداخل عبر أسطح المنازل ونزلنا عليهم من الجهة الغربية من محاذاة بنك باركلس البريطاني .
تصاعدت المعركة واشتدت حتى تمكنا من الوصول الى سطح الكنيسة وكان اليهود قد جمعوا الراهبات في مكان واحد وسجنوهن فيه ، وفيما القتال يشتد ونحن في أعلى الكنيسة لاحظت حركة خلف أحد نوافذ الدير وإذ براهبة تشير لنا أن ندخل من النافذة حيث هي ، توجسنا في البداية ثم تمكنا من وضع سلم وتسلقنا الجدار الى حيث الراهبة وإذ بغرفة تعج بالراهبات اللواتي تجمعن مرعوبات وكلهن أجنبيات بعضهن يتكلمن العربية فشرحوا لنا خريطة الدخول وكيفية عبور الدهاليز ومن نافذة محاذية لغرفة الراهبات خرجنا ثم عالجنا الباب ففتح .
نقلنا الراهبات بحذر الى غرفة في مكان بعيد عن القتال وهبطنا بهدوء ومن الأعلى شاهدنا اليهود في المذبح وظهورهم نحونا وباغتناهم وقتلنا من قتلنا وهرب من هرب وكنا قبل أن ندخل المذبح استئذنا فأجازت لنا رئيسة الدير ذلك وتمكنا من طردهم وتابعنا ملاحقتهم وحررنا الكنيسة والمستشفى والأماكن المجاورة كلها وسقط لنا شهداء دفعوا دماءهم ثمنا لهذا النصر .
تلقينا تعليمات للإستعداد لمهاجمة مركز يهودي في حي يقع في القدس الجديدة خلف باركلس بنك ومن الجهة الثانية من المنطقة العربية وفي الوسط منازل خالية من السكان أمامها شارع طويل يشكل منطقة عازلة بين المنطقتين ، تسللنا ليلا وزحفنا عبر ذلك الشارع الى تلك المنازل حيث شاهدنا في الجهة اليهودية تجمعات عسكرية وفاجأناهم بفتح النيران عليهم وبدأ صراخهم :
” قديما عرب قديما ” ، أي جاء العرب … ودارت معركة طيلة الليل ولم يسقط لنا أي جريح أو شهيد فيما أنزلنا بهم إصابات بالغة ، وتمركزنا في هذه المواقع الجديدة وأصبحنا نسيطر على كامل المنطقة من الباب الجديد حتى باركلس بنك وما خلفه وكان وضعنا في القدس جيدا لا بل ممتازا ومعظم المدينة بقسميها القديم والجديد تحت سيطرتنا .
في شهر حزيران قررت القيادة إحتلال الحي اليهودي القديم حيث كان مصدر متاعب لنا وهو يقع خلفنا وتصدر عنه عمليات غدر كثيرة ويشكل خطر علينا في أي عمليات عسكرية مع اليهود في القدس الجديدة ، تجمعت قواتنا وتمركزت عند باب الخليل وباب السلسلة وباب الواد فيما رابطت قوات من جهة جبل الزيتون عبر الوديان التي يطل عليها حي اليهود .
وقرب باب الخليل كانت هناك كنيسة للأرمن ملاصقة لحي اليهود وفيها أبواب قديمة يمكن العبور منها الى الحي اليهودي ، ساعدنا الأرمن لوجستيا وعسكريا وبدأت المعركة وكان اليهود مستعدون لها بشكل متقن واضعين على أسطح الأبنية عددا من رماة الرشاشات يطلقون النار من فتحات مخفية وحفروا أنفاقا من داخل المدينة الى وديان جبل الزيتون ونثروا أفخاخا متفجررة عبارة عن علب كونسرف أدت الى إصابات عديدة بين رفاقنا .
كانت معركة قوية استمرت أياما كانوا خلالها داخل ملاجئ وأنفاق محصنة وأخيرا تمكنا من تطهير الحي واحتلاله بالكامل وأسر جميع سكانه وتدمير الأنفاق وقد سقط منا عدد من الشهداء ، واستلم الجيش الأردني الأسرى ونقلهم الى الأردن ، وهو التدخل الوحيد الذي مارسه في هذه المعركة القاسية وأصبحت القدس القديمة بكاملها تحت سيطرتنا .
عبد الهادي محيسن… كاتب وباحث .

 

مجلة الشراع