حقيقة النعيم والعذاب/ بقلم: الشيخ أسامة السيد / الشراع 7 ايلول 2023
89
الشراع 7 ايلول 2023
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى:{والذين يؤمنون بماأُنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدًى من ربهم وأولئك هم المفلحون} سورة البقرة.
إنَّ مما ابتُلينا به من جملة البلاء الكبير في هذا الزمان أن صرنا نرى ونسمعبعض الناس يُصرِّحون بإنكار عذاب القبر ونعيمه والبعث والآخرةغير آبهين بما جاء من نصوصٍ قرآنيةٍ أو حديثيةٍ في إثبات ذلك، أو يقول قائلهم: “أنا لا أؤمن إلا بما أرى وأنا لم أر شيئًا من أمور الآخرة” وهذا في غاية الضلال وفيه ردٌ للشريعة وتشكيكٌ بما جاء به سيدنا رسول الله محمدُ بن عبد الله الهاشمي صلى الله عليه وسلم.
وإزاء ذلك نقول:قال الرازي في “المحصول”: “عدم الوِجدان لا يدل على عدم الوجود” وكلامه هذا قاعدةٌ عظيمةٌ عند أهل العلم، ومعنى ذلك أن عدم الاطلاع على الشىء لا يلزم منه عدم وجود ذلك الشىء، فإنلم نر الشىء بأعيننا فليس معناه أن هذا الشىء ليس موجودًا حقيقةً، فقد أخفى الله تعالى عنا كثيرًا من الأمور ومع ذلك نوقن بها لورود دلائل الشرع المشهود بصحتها في حكم العقل.ومن جعل عدم الرؤية دليلًا على العدم لزمه إنكار الشخصيَّات التاريخية وإنكار بعثة الأنبياء وغير ذلك مما تقدَّم زمانُه ولم يشهده،بل ويلزمه كذلك إنكار البلاد النائية التي لم يُسافر إليها وإنكار العقل والروح وفي ذلك مكابرة للعيان.
فإن قيل“إن العلم بنحو الشخصيَّات التاريخية والبلدان البعيدة متحققٌ بالضرورة وذلك أن معرفتنا بذلك تأتت من طريق ناسٍ عاصروا تلك الشخصية وتناقلت الأجيال خبرها أو من طريق ناسٍ رأوا تلك البلاد ونقلوا إلينا أيضًا خبرها“فالجواب على ذلك: إن علمنا بوجود عذاب القبر ونعيمه والبعث والآخرة وغير ذلك مما يكون في الآخرة متحققٌ بإخبار المعصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا ما كنتَ تُثبتُ الشخصيات التاريخية والبلاد البعيدة بأخبار عوامِّ الناس فأولى بك أن تُثبت ما أنبأ به من قال الله تعالى فيه:{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى} سورة النجم،وهو أصدق الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
النشأة دليل النشأة
أضف إلى ذلك أن إخباره صلى الله عليه وسلم كان عن وحيٍ وعن مشاهدةٍ عيانيةٍ حيث دخل الجنة واطَّلع على النار في ليلة الإسراء والمعراج ورأى ما يكون عليه حال كثيرٍ من الناس يوم القيامة، وبالتاليوجب الجزم بصحة ما جاء به وبلَّغه عن الله تعالى،وإذا ما جرت العادة عند بعض الناس ممن يُنكرون الآخرة أو غيرهم أنهم يُصدِّقون خبر بعض الأصحاب ويُجلُّونه عن الكذب ويقول أحدهم “حدثني من لا أتهم“ وتراه يُسلم لحديث فلانٍ لاعتقاده صدقه فأولى بهؤلاء التسليم لما جاء به النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم فقد قيل:
وكل ما أتى به الرسول فحقه التسليم والقبول
ثم العجب ممن ينكر أمر الآخرة والبعث وعذاب القبر ونعيمه كيف يُسوِّغ لنفسه ذلك مع أنه ليس في العقل ما يرده؟ بل ربما وسوست النفس الأمَّارة بالسوء والشيطان لبعضهم بقول هذا الباطل وتصديقه ليُهَوِّن عليهم ما هم فيه من الضلال والشر والفساد والعصيان فيتمَادون فيه لاعتقادهم أنه لا حساب ولا جزاء، ثمالعجب أيضًاكيف ينسى منكرو ذلك تلك الحياةَ التي جعلها الله للأجنّة في بطون أمهاتهم علمًا أن بطن الأم أضيق مساحةً من القبر، فالذي خلق الإنسانَ الأولَ آدمَ عليه السلام من ترابٍ ثم خلق ذريتَه من نطفةٍ وجعل له غذاءً في أحشاء أمه قادرٌ سبحانه وتعالى أنيجعل الإنسان في قبره منعَّمًا أو معذّبًا وأن يعيده بعد الموت حيًّا.
قال تعالى:{النار يُعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب} سورة غافر،فدلَّ قوله “ويوم تقوم الساعة“ على أن العرض على النار كان قبل الساعة أي في القبر، وعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“إن أحدكم إذا مات عُرِض عليه مَقعَدُهُ بالغَداةِ والعشيِّ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مَقعَدُك حتى يبعَثَك الله يوم القيامة” متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حُفر النار” رواه الطبراني في الأوسط. وجاء في “الدر المنثور” للسيوطي وغيره أن أُبيَّ بن خلَفٍ جاء بعظمٍ نخرةٍ فجعل يفتُّه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن يُحيي العظام وهي رميم. فأنزل الله:{أَولمير الإنسانُ أنَّا خلقناه من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبينٌ وضربَ لنا مثلًا ونسيَ خلقَه قال من يُحيي العظام وهي رميم قل يُحييها الذي أنشأها أول مرةٍ وهو بكل خلقٍ عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه تُوقدون أوليس الذي خلق السمواتِوالأرضَ بقادرٍ على أن يَخلُق مثلهُم بلى وهو الخلَّاق العليم} سورة يس.لقد جعل الله تعالى النشأةَ الأولى دليلًا على جواز النشأة الآخرة لأنها في معناها وجعَل ظهورَ النار على ما هي عليه من الحرارة من الشجر الأخضر على نداوته ورطوبته دليلًا على جواز بعث الأجساد وإعادة خلقها من العظام الرميم البالية. قال ابن عادل في “اللباب“:“قال ابن عبَّاسٍ: هما شجرتان يقال لإحداهماالمرْخُ وللأخرى العَفَار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَضْرَاوان يقطران الماء فيسحق المرْخُ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى، وقالت الحكماء: في كل شجرنا نار إلا العنّاب“. وجعل اللهخلق السموات والأرض دليلًا على قدرته على خلقمثلهم وهذا معناه أن خلق الله للأشياء فيه دليلٌ على قدرته على خلق أمثالها، فالذي خلق الموت والحياة في الدنيا والرفاهية واللذة والتعب والفناء والبِلى قادرٌ أن يجعل في القبر نعيمًا وعذابًا، وأن يبعث الناسَ للجزاء يوم القيامة ويفصل بينهم بالحق، وحيث دلَّ الشرع والعقل على تحقق ذلك فالزم تصديقَه فإن ردَّ نصوص الشريعة ضلالٌ مبين ولولا خشية الإطالة لأقمنا على ذلك أدلةً كثيرةً ولكنَّ في هذا مقنَعٌ لمن يقنع.