من مذكرات الرئيس بشارة الخوري عن حرب فلسطين الأولى/ كتب: عبد الهادي محيسن/الشراع
الشراع 4 ايلول 2023
يقول الرئيس بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق في مذكراته ما يلي : ” طار رياض الصلح من القاهرة الى عمان بينما كانت اللجنة السياسية للجامعة العربية مجتمعة هناك ، وقابل الملك عبد الله غير مرة مستحثا همته في الدفاع الأرض المقدسة ، فألفى عنده بعض التردد والصدود وتابع الرئيس بشارة يقول :
شعر رياض بفتور بين الوصي على العرش العراقي عبد الإله والملك فاروق فاقنع الأمير عبد الإله بأن يزور القاهرة فاقتنع ، ورافقه رياض الصلح في الطائرة التي أقلته الى مصر ، جرت المقابلة بين العاهل والأمير وأعقبها مقابلات جمعت بينهما الأهداف وشدتهما الواحد الى الآخر يد واحدة في سبيل الدفاع عن دار الأنبياء !! .
عاد رياض الى بيروت واقترح علّي بلسانه ولسان جميل مردم بك رئيس وزراء سورية أن أدعوا الملك عبد الله والوصي عبد الإله والرئيس شكري القوتلي الى بيروت لغسل القلوب فاصطدم الإقتراح باعتذار شكري بك ، فاضطر رياض الصلح للعودة الى عمّان بصحبة الأمير مجيد أرسلان لتهدئة خاطر الملك بعدما بلغه إمتناع الرئيس السوري .
كان اليهود يوقدون النار لطبخ فلسطين عليها ويُحّضروا الوليمة وقادتنا لا يتواصلون ولا يجتمعون إلا بعد التوسل والوساطات وعن هذا يقول الرئيس بشارة الخوري : ” أسفرت إتصالات رياض المتتابعة التي أجراها بالإتفاق معي في العواصم العربية عن تصميم العرب على القيام بعمل عسكري مشترك للذود عن فلسطين … وكانوا ينتظرون إنتهاء الإنتداب على فلسطين في الخامس عشر من أيار ليزحفوا إليها ..
الى هذه الفترة لم يكن العرب قد اتفقوا أو صمموا على القيام بعمل عسكري مشترك للذود عن فلسطين ولبساطة المسألة وسهولتها قام رئيس وزراء بلد عربي بالإتصال بقادة الأمة فتحركت همتهم وقرروا العمل من أجل فلسطين … ودخلت الجيوش العربية لإنقاذ فلسطين وهي بدون أي إستعداد أو تهيؤ ! وكيف تكون الجيوش العربية مهيأة وحكوماتها لم تقرر العمل والحرك إلا بعد وساطات وتوسلات وكأن قيادتها السياسية غير معنية …
يقول الرئيس بشارة الخوري : ” كان القلق يسود النفوس والمستقبل يزداد غموضا على الرغم من تحرك الجيوش العربية لاحتلال أجزاء من فلسطين ” ، وفي 19 من أيار ليلا إتصل شكري بك القوتلي الرئيس السوري بالهاتف الخاص ودعاني ورياض الصلح للإجتماع به وبالملك عبد الله وبالوصي العراقي عبد الإله في درعا في اليوم الثاني ، فقبلت الدعوة وبلغّت رياض وغادرنا بيروت في الصباح الباكر وكل منا يُعلق أكبر الآمال على هذا الإجتماع .
بعد المجاملات المعتادة والترحيب الودي الخالص ، خلونا جميعا لاستعراض حالة الجبهة من جميع وجوهها وظهر الملك عبد الله مغتبطا فخورا بأعمال الجيش الأردني وبإستعداده للقتال وبإحراجه للجيش الصهيوني ، فغمرتنا موجة من الأمل وتناولنا الغداء ،ثم اجتمعنا الى أركان حرب الجيوش العربية ..
انتهى الإجتماع ورجعنا الى بيروت وفي طريق العودة كنا نستعيد ما قيل في الإجتماع ولم نكن متفائلين لعلمنا أن الملك عبد الله ملك الأردن ليس حراً في تصرفه الحربي ولأن قيادة جيشه بيد الجنرال غلوب باشا الإنكليزي فهل كان بإمكان العرب أن يعتمدوا كل الإعتماد على تلك القيادة ؟ وليس في عمان وجود إلا للملك ولقائده وليس للسلطات الأردنية رأي ، وتابع الرئيس الخوري :
في ذلك الوقت لم نكن مطلعين على عدم إستعداد الجيوش العربية من حيث العدد والتنظيم ، وكذلك كنا نجهل قوات العصابات الصهيونية المنظمة وعدد الآليات ووفرة الذخائر لديها والمخطط الحربي الذي وضعته لاحتلال فلسطين بكاملها ” .
اعتمدت الدول العربية قبل 16 أيار على جيش الإنقاذ لكي لا تظهر مباشرة على المسرح ولتُحّمل جيش الإنقاذ وزر مستقبل رسمت الدول الكبرى السيناريوهات الملائمة له بما يجعل من حلم ” تيودور هرتسل ” ووعد بلفور حقيقة واقعة ، ودخل جيش الإنقاذ الحرب بإيمان قوي وبإستعداد نفسي وروحي خارق وبإمكانات معدومة وتسليح بدائي وعتاد غوغائي ..
وأُرسل جيش الإنقاذ لكي لا ينتصر ، وعندما حقق في ميادين القتال أو في معظمها المعجزات كونه حافظ على الأرض وصمد بقوة ضعفه وكاد أن يُفشل بصموده وإيمانه وبطولات أفراده المخططات الموضوعة ، دخلت الدول العربية الحرب مباشرة لتكون الجيوش خاضعة للأوامر والتعليمات وتنفذها ، أما المجاهدون فلا يخضعون وهكذا بدأ الفصل الأول من المؤامرة .
بدأت الحرب بشكل رسمي ونظامي في 16 ايار 1948 بقرار من الجامعة العربية ، أما قبل ذلك فلم تكن الأوضاع ثابتة لليهود رغم كل إستعداداتهم وتحضيراتهم وتنظيمهم ، وقاتل أهل فلسطين بإمكناتهم مع جيش الإنقاذ ، وكان الجيش المصري في الفالوجا قد أثبت وجوده بفاعلية قبل دخول الجيوش العربية وامتد باتجاه النقب والجيش العراقي دخل طريق يافا ووصل الى بعد 12 كيلومترا عن تل أبيب ووقف متذرعا بتلك الجملة الشهيرة ” ماكو أوامر ” أما الجيش الأردني فكان متواجدا في جميع أنحاء فلسطين ومتمركزا في مواقع هامة .
لكنه بفعل أوامر قائده غلوب باشا الإنكليزي توقف في أماكن خطط لها الإنكليز مسبقا .
عبد الهادي محيسن
كاتب وباحث