الخدمات الاعلامية عَظمةُ اللهِ أنه لا يُشبه شيئًا من مخلوقاته/ بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع 17 اب 2023 في أغسطس 17, 2023 103 الشراع 17 اب 2023 الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وللهِ المَثَلُ الأعلى وهو العزيز الحكيم} سورة النحل. وقال تعالى أيضًا:{فلا تضربوا لله الأمثال} سورة النحل. تضمنت هاتان الآيتان تنزيهَ الله سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقين فقوله {ولله المثل الأعلى} معناه لله الوصفُ الذي لا يُشبه وصفَغيره، وعَظمةُ اللهِ أنه لا يُشبه شيئًا من مخلوقاته. قال أبو حيَّان في “البحر المحيط“: “هو الوصف المنزه عن سِمات الحدوث والتَّوالد وهوالوصف الأعلى الذي ليس يُشركُه فيه غيره“. ومعنى قوله تعالى {فلا تضربوا لله الأمثال} لا تُشبِّهوا اللهَ بخلقه. قال السِّمعاني في“تفسيره“: “فلا تضربوا لله الأمثالَ أي الأشباه. ومعناه: فلا تجعلوا له شِبهًا ولا مِثلًا فإنه لا شِبه له ولا مِثل له“. وقد جرت عادةُ المؤمنين أي المنزهين لله تعالى عن الأشباه والنظائر وكل ما كان من صفات المخلوقين أنهم يقولون: “الله متصفٌ بكل كمالٍ يليقبه وهو تعالى منزهٌ عن كل نقصٍ في حقه“. وهنا قد يسأل بعض الناس أو يتساءلون: لماذا هذا القيد بقولنا: “يليق به” ولماذا لا نقول: متصفٌبكل كمالٍ دون القيد بكلمة “يليق به” وما فائدة هذا التقييد؟ فنقول: إنما قُيدت هذه العبارة بلفظ “يليق به” لأن الكمال إمَّا أن يكون كمالًا فيحق الله وفي حق غيره كالعلم مع اعتقاد أن علم الله تعالى ليس كعلمنا فعلمنا حادثٌ مخلوقٌ يزيد بالتحصيل وينقص بالنسيان، ومهما بلغأحدنا في العلم مبلغًا فإنه تخفى عليه أشياء كثيرة. قال تعالى:{وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} سورة الإسراء. وقال تعالى:{وفوق كلذي علمٍ عليم} سورة يوسف، والمعنى أنه يكون هذا الإنسان أعلم من هذا وهذا أعلم من هذا، ففوق كل عالمٍ من الناس آخر هو أعلم منه،والله تعالى هو أعلم من كل عالمٍ فقد علم سبحانه ما كان وما سيكون وما لا يكون بعلمٍ أزليٍ أبديٍ لا يتغيَّر ولا يزيد ولا ينقص، وقد تمدَّح اللهنفسه بأنه عالمٌ بكل شىءٍ، قال تعالى:{والله بكل شىءٍ عليم} سورة الحجرات. إيضاحاتٌ مهمَّةٌ وقد يكون الوصف كمالًا في حق الله تعالى وذمًا في حق الإنسان كالوصف بالجبَّار هو مدحٌ في حق الله تعالى وذمٌ صريحٌ في حق الإنسان،وقد فسَّر الحافظ البيهقي “الجبَّار” في حق الله فقال في كتابه “الاعتقاد“: “الجبَّار هو الذي لا تناله الأيدي ولا يجري في ملكه غير ماأراد“. ومن ذلك أيضًا “المتكبر” فهو مدحٌ في حق الله تعالى وذمٌ في حق الإنسان، والمتكبر في حق الله العظيم أي المتعالي عن صفاتالمخلوقين أي الذي لا يشبه شيئًا ولا يُشبهه شىءٌ. قال الإيجي في “تفسيره” في شرح المتكبر من أسماء الله: “الذي تكبَّر (تنزه) عن كلنقصٍ، وأصل الكبرياء الامتناع” وقد وصف الله نفسه بالجبَّار والمتكبر، قال تعالى في سورة الحشر:{الجبَّار المتكبر}. وأما إذا ما قيل عن إنسانٍ فلانٌ جبارٌ أو متكبرٌ كان ذلك مذمةً له، فالجبَّار من الناس هو الظالم. وقيل: الجبَّار الذي يقتل على الغضب أي إذاغضب قتل وسفك الدم الحرام. وقيل: الذي يقتل بغير حق. والمتكبِّر من الناس هو الذي يرد الحق على قائله ويحتقر الناس، وكلُ ذلك مما يُذَمُّعليه البشر ويكون صدوره من أحدهم شرًا فظيعًا يُعاب عليه ويستحق لذلك العقوبة يوم القيامة. ومن كان من الناس جبَّارًا كان متكبرًا فإن كلالمعاني المذكورة في تعريف الجبار من الناس راجعةٌ إلى معنى التكبُّر. وقد يكون الوصف مدحًا في حق الإنسان ولا يجوز أن يوصفَ الله تعالى به كالوصف برجاحة العقل والذكاء، إذ هو من صفات المخلوقينالممدوحة ولا يصح وصف الله تعالى بذلك لتنزهه سبحانه عن مماثلة المخلوقين بدلالة البراهين النقلية كقوله تعالى:{ليس كمثله شىءٌ} سورةالشورى، وبدلالة البراهين العقلية إذ لا يصح في العقل أن يخلق الجسمُ جسمًا، ومن هنا يُعلم فساد ما وقع في الكتاب المسمى “في ظلالالقرآن” لسيد قطب من التعابير الشنيعة حيث سمَّى الله تعالى “العقل المدبر” و“مهندس الكون الأعظم” بل تمادى في غيِّه فسمى الله تعالىفي موضعٍ من كتابه المذكور “الريشة المبدعة” والوصف بالريشة ليس كمالًا في حق الخالق ولا في حق الإنسان بل هو من معاني البهائم،ولست أدري بأي عَوَرٍ ينظر بعض أدعياء العلم بعد ذلك إلى كتابه على أنه من أجلِّ التفاسير الحديثة والحقيقة أنه من الكتب التي يجبالحذر والتحذير منها. ويُناسب في هذا المقام ذكر فائدةٍ عظيمةٍ بل هي قاعدةٌ فيما يتعلَّق بالأسماء والصفات لربنا تبارك وتعالى. قال الإمام أبو الحسنالأشعري:”لا يجوز تسمية الله إلا بما ورد في الكتاب والسنّة الصحيحة أو الإجماع” نقله عنه الأستاذ ابن فُورك في كتابه “مجرد مقالاتالأشعري“. وقال الإمام أبو منصور البغدادي في كتابه “تفسير الأسماء والصفات“: لا مجال للقياس في أسماء الله وإنما يُراعى فيهاالشرع والتوقيف” أي ليس لأحدٍ أن يطلق على الله اسمًا أو صفةً بالتَّشهي إنما يُراعى في ذلك ما جاء في الشرع فنقف عند ما ورد مماصحَّ في هذا الخصوص ولا نخوض في ذلك بالرأي. وأما قولنا عن الله تعالى “منزهٌ عن كل نقصٍ في حقه” أي هو تعالى منزهٌ عن كل ما لا يليق به كالمكان والحيِّز والحدِّ والتغيُّر وكل هذا منصفات المخلوقين وهو دليلٌ على افتقار المخلوق وهو من صفات النقص التي يجب تنزيه الله تعالى عنها إذ المتحيِّز في المكان محصورٌوالمحصور محدودٌ والمحدودُ محتاجٌ لمن جعله على هذا الحد ولا يصح أن يحُدَّ الشىءُ نفسَه لأن معنى ذلك أنه خلق نفسه وهذا مستحيل. ثمإن المكان مخلوقٌ وقد كان الله قبل المكان بلا مكانٍ وما زال بعد خلق المكان بلا مكان لا يتغيَّر إذ التغيُّر أقوى علامات الحدوث، فالمتغيِّر محتاجٌلمن غيَّره والمحتاج عاجزٌ ولا تصح الألوهية للعاجز. وإذا عُلم هذا دلَّ على دقَّة العبارة “الله موصوفٌ بكل كمالٍ يليق به منزهٌ عن كل نقصٍ فيحقِّه” وعلى أهمية التزام عبارات العلماء المحققين الأجلاء لا سيما في علوم العقيدة. والحمد لله أولًا وآخرًا. 103 شارك FacebookTwitterWhatsAppالبريد الإلكتروني