سورية تلك الأرض في الشرق الحبلى بالمعاني والرموز../ كتب: عبد الهادي محيسن/الشراع

الشراع 14 اب 2023

الأرض كلمة حبلى بالمعاني والرموز في الشرق السوري إنها امتداد للإنسان ، فلا مكان في الدنيا التصق فيه التاريخ والجغرافيا مثلما هي حال هذه البقعة الممتدة من سيناء الى الأناضول ومن المتوسط الى دجلة والفرات..

إن سقوط 50 ألف سوري منذ 1925 من أجل فلسطين يجسّم هذا الواقع ، وبما أن سورية بلاد الأمويين وأنها لم تهضم حتى الآن في لاوعيها إقتطاع الإسكندرونة والأناضول ولبنان وفلسطين …

فلسطين؟

نعم قد تقبل سورية ربما بدولة فلسطينية خارجة منها من سورية الكبرى ، ولكن كيف تقبل بدولة إسرائيلية؟

إنه بالنسبة لها إقتطاع مزدوج من جسمها ومن الجسم العربي ، ولا بد من تكرار الفكرة الشائعة هنا بأن إنشاء دولةإسرئيل كان السبب في تقسيم سورية الطبيعية ” بلاد الشام ” ، “وتربيعها “ ورسم حدود إصطناعية بين الأردن ولبنان وفلسطين وسورية والعراق .

 

غالبا ما اخترقت هذه الحدود البيت الواحد ، وأقامت خطوط تماس بين المنازل والعائلات ، فمدينة إربد الأردنية مثلا أقرب الى دمشق منها الى عمّان وأهلها يتكلمون بلهجة سورية .. وها هو السلام الذي يتم التفاوض حوله يسعى الى تكريس الحدود الحالية التي رسمتها إتفاقية سايكس بيكو .. وها هو الكيان الصهيوني تُفتح الحدود العربية أمامه من المغرب الى الخليج العربي الى الأردن والسودان ، أمام نشاطاتهالإقتصادية والتكنولوجية والديبلوماسية وهي تريد في الوقت نفسه منع العرب من إزالة الحدود الفاصلة بينهم ، وهذا هو هدف المفاوضات الثنائية الذي تحقق لها في منع إعادة توحيد الدول العربية والإبقاء على ما تعانيه من إنقسام وهكذا تمكن الكيان الصهيوني من مفاوضة كل طرف على حدة .

حتى أنهم استطاعوا تقسيم الشعب الفلسطيني فهناك اليوم سكان الخليل ووضعهم الخاص بوجود إسرائيلي مكثف ، في داخل مدينتهم وسكان غزة وسكان أريحا والقدس الشرقية وأهل الأراضي المحتلة المقيمون في الكيان الصهيوني وفلسطينيو الشتات ، مع تقسيم أكبر وهو انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية بكيان خاص ، والضفة الغربية بكيان آخر تتعايش فيه منظمة التحرير الفلسطينية دون سلطة فعلية ، وتتداخل مع السلطات الإسرائيلية وكم كبير من المستوطنات اليهودية المتفاقمة مع مرور الزمن .

تقع ميسلون على بعد كيلومترات معدودة من الحدود اللبنانية ، وميسلون رمز من الرموز الوطنية السورية هزم فيها الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال غورو في 24 تموز 1920 الألوية التي جندها الملك فيصل على عجل من سورية ولبنان ، وهنا مدفن يوسف العظمة وزير الدفاع الذي دفعته شجاعته الى الوقوف في وجه الجيش الفرنسي ، رغم علمه أن لا أمل له في الإنتصار .

وليتم استخدام التاريخ لدعم وجهة النظر ذلك أن هناك تاريخا واحدا ، أما القراءة فهي متعددة والقراءة الأولى التي تفرض نفسها وتلهب المخيلة : السور القديم الذي يحيط بمدينة دمشق القديمة فقلعة صلاح الدين التاريخية ، وسوق الحميدية ومن خلاله تصل الى الجامع الأموي الذي يبدو أصله البيزنطي جليا في الأعمدة الكورنثية ، وفي قلبالجامع وفي وسطه ضريح يوحنا المعمدان المنحوتة عليه عبارة ” لا إله إلا الله ” وعلى بعد قليل منه في فناء ظليل يتوسطه حوض ماء يقع ضريح صلاح الدين الأيوبي .

تلك هي دمشق ” قلب العروبة النابض ” التي لم تفسدها الثقافة العالمية الأميريكة ، وثمة ثقافة أخرى هي دمشق المفكرين والكتاب والمسرحيين والناشرين والمنظرين الثوريين المتقاعدين باكرا من العمل السياسي ، الذين يحاولون ملء الفراغ الذي تركه في نفوسهم تحطم الآمال عند سقوطها ، فدمشق بالنسبة لهم هي الحلقة الضائعة لحلم مفقود ، لم يلزمهم الكثير من الوقت ليدركوا أن الوحدة العربية وهم ليس إلاّ .

وأن التاريخ العربي نفسه حرّفته القبائل والأقليات بحلها وترحالها : الأكراد والشراكسة والدروز والعلويون والشيعة والإسماعيلوين والسنة والمسيحيون والسريان واليعاقبة … إن تاريخ هذه المنطقة هو سلسلة من الخيانات والهزائم والتحالفات والشراكات غير المتكافئة والأمجاد والمذلات وشعوب تتحرر من فاتح لتستقبل آخر فجغرافيتها تكيفت مع التاريخ 

ففي القرى المختلطة في شمال سورية لا يمكن تمييز المسيحي عن المسلم أو الكردي عن الشركسي لكثرة ما يتشابهون ، ذلك أن الجغرافيا لعبت دورها أيضا فامتصت الفتوحات المختلفة لتبرهن لنا كيف أن الأرض تصنع الإنسان وتجبله ، وعاجلا أم آجلا سوف تقولب هذه الأرض الشرقية الإسرائيلي أيضا فينطبع بها ويعتقد بأنه يستصلحها فإذا بها تستصلحه ولا خيار له سوى الإندماج في محيطه والذوبان في بيئة الرجال الساميين .

الى متى سيبقى الكيان الصهيوني يلعب دور ملحق الغرب في الأراضي المقدسة ؟ والى متى ستظل أميركا تعزز هذا الحصن الذي يرفض أن يمد جسوره الى المنطقة الذي يريد البقاء فيها ولا يجد نفسه فيها ؟ الى متى تحتضن دولة تفضّل الحفاظ على صفة المستعمر بدلا من الإندماج في محيطها ؟ .

عبد الهادي محيسن …

كاتب وباحث .

مجلة الشراع