كتب: المحرر السياسي لـ “الشراع”: لا حرب اهلية في لبنان وهذه هي الأسباب/ الشراع
100
الشراع 14 اب 2023
ما تشهده البلاد حالياً ، على الصعيد الأمني يمكن اعتباره اكبر من مجرد إشكالات عابرة تحصل ويسقط فيها قتلى وجرحى وتتصاعد معها الحملات الإعلامية والسياسية . كما انها ليست مجرد احتكاكات او اشتباكات مسلحة محدودة يسجل للجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى المسارعة في وقفها وضمان عدم اتساع دائرتها. ولعل اخطر ما فيها هو ما تسببه من زيادة الانقسامات في بلد يحتاج كل يوم لا بل كل ساعة وكل لحظة الى ما يوحد فئاته واطيافه ضمن العيش المشترك او الواحد الذي لا يمكن للبنان البقاء والاستمرار من دونه.
الا ان ما تشهده البلاد حالياً ورغم كل ما قيل ويقال بشأن خطورته والتهديدات التي ينذر بها والتداعيات والارتدادات الناجمة عنه، لم ولن يصل الى حدود الانزلاق الى حرب داخلية او أهلية واسعة النطاق ومدمرة كتلك الحرب المشؤومة والسيئة الذكر والخطيرة التي عاشها لبنان بين العامين 1975 و1990 من القرن الماضي.
وبمعزل عن “البهورات” و”عمليات التفشيخ” التي يمارسها البعض ، بعيداً عن أي واقعية ولو بالحد الادنى من اجل الظهور في الشكل بمظهر القادر على المواجهة وعلى احداث تغييرات في المسار القائم ، وكل همه هو التجييش والتحريض ومحاولة كسب جماهيرية أفتقدها حزبه او تنظيمه، منذ عقود ، فان لبنان ورغم تحوله مؤخراً ومن جديد الى ساحة يراد من خلالها توجيه الرسائل بين اللاعبين الكبار إقليمياً ودولياً ضمن لعبة الأمم المحتدمة في المنطقة والعالم ، فان هناك حتى الان على الأقل عوامل أساسية مؤثرة أدت وتؤدي الى لجم وفرملة أي تصعيد وعدم تفاقم الأمورخارج حدود السيطرة وضمان استيعاب واحتواء الأمور بطريقة تؤمن عدم انفلات الأوضاع او زعزعة الامن والاستقرار والسلم الأهلي بحدود واسعة.
ما هي العوامل الأساسية المعطلة لانفلات الأوضاع وذهاب البلاد الى ما يحمد عقباه؟
هناك بالطبع ارادات داخلية ، عاقلة وحكيمة تتقاطع في العمل على عدم الانجرار او السقوط في وحول الفتنة ، خصوصاً من جانب من عايش الحرب وعانى الامرين منها .
وفي مقدمة من يعملون على وأد الفتنة قيادات إسلامية ومسيحية . وبرز على وجه الخصوص بعد حادثة الكحالة دور عقلاء البلدة الذين تقاطعت جهودهم من خلال الجيش مع حرص حزب الله على عدم تطور ما حصل الى إشكالات أوسع. كما برز دور قيادات مارونية وشيعية في كبح جماح التصعيد، وكان للتواصل بين بكركي والبطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي مع حزب الله وقيادته واطراف أخرى وفق معلومات “الشراع” الأثر المباشر في احتواء ما حصل وتجاوز انعكاساته مع رفض بكركي وكذلك قيادة حزب الله أي مس بالسلم الأهلي والعيش المشترك .
كما كان لافتاً ما ادلى به الرئيس ميشال عون في الدعوة الى التهدئة بعد المواقف النافرة لصهره جبران باسيل وبعض قيادات التيار الوطني الحر والتي كان الهدف منها صب النار على زيت الاشكال الذي حصل.وهوامر أي موقف عون أدى الى وقف ما كان بوشر به لاستغلال ما يحصل.
وبالطبع ،فان مواقف قيادات مسؤولة يتقدمها الرئيس نجيب ميقاتي وكذلك مواقف قيادات روحية أخرى في مقدمتها مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ورؤساء طوائف مسيحية كان لها وقعها في الاسهام بالمعالجة والحؤول دون الانزلاق الى ما قد تكون بعض الغرف السوداء تخطط لحدوثه في لبنان.وكل ذلك أتاح خلق مناخات التهدئة وتأمين كل ما يلزم من أغطية للجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى على مستوى القرار السياسي وتوفير قوة الدفع الوطنية والجامعة اللازمة من اجل الحؤول دون الوقوع في أفخاخ منصوبة دفعت البعض الى التحذير من ان تكون شاحنة الكحالة بوسطة عين الرمانة الجديدة .
كل ما ورد هام جداً في التوكيد بدلالاته على وجود شبه اجماع داخلي على رفض الانزلاق الى تصعيد امني خطير وواسع النطاق ، الا انه ليس وحده العامل الأساس في ضبط الأوضاع وضمان عدم انفلاتها .
ويقول مصدر مستقل وواسع الاطلاع ل“الشراع” ان اكثر ما يطمئنه لعدم وجود قرار خارجي باستعار الحرب الداخلية في لبنان هو التعاطي الواقعي وغير الصدامي بين طرفين موجودين بقوة في البلاد.
الأول:
هو القوة الأميركيةوالتيوتتمثل في الحضور العسكري المباشر في لبنان ليس فقط على مستوى الأجهزة الأمنية الأميركية فقط بل وأيضاً على مستوى الوحدات العسكرية الذي لم يعد سراً انها موجودة في اكثر من مكان حتى لا نقول كما يضيف في اكثر من قاعدة عسكرية. وهذا الحضور الأميركي لا يتعلق بالعوامل اللوجستية المتصلة بالوجود العسكري في سورية ، بل يتصل بلبنان مباشرة خصوصاً وان واشنطنكما هو معروف باتت اليوم على وشك الانتهاء من بناء اكبر سفارة لها في المنطقة.
والثاني:
يتمثل بوجود ، حزب الله ، او المقاومة باعتباره ممثلاً لاحد المكونات اللبنانية مع اضافة علاقته المتينة والوثيقة بايران .
وحسب المصدرنفسه ،فان كل طرف من الطرفين يتجنب الاصطدام بالآخر في لبنان. ويبدو بوضوح ان لا احدمنهما يريد الاصطدام مع الآخر رغم العداء الشديد المستحكم في السياسة والاعلام والاقتصاد الخ بينهما.
وهذا بالطبع قائم رغم ان حزب الله لا يترك مناسبة الا ويتحدث فيها عما تقوم به واشنطن لاستهدافه وضربه سواء من خلال عزله ومحاصرته وتصنيفه كجهة إرعابية او محاولة تأليب بيئته الحاضنة ضده.
وهو بالطبع قائم رغم ان واشنطن لم تترك وسيلة الا واستخدمتها ضد حزب الله، من خلال العقوبات او تشويه صورته او ممارسة الضغوط على حلفائه لابعادهم عنه.
وفي ظل هذه الأجواء العدائية لم يسجل أي عمل من قبل أي من الطرفين ضد الاخر سواء كان امنياً او عسكرياً ،على غرار ما حصل في العراق مثلاً. وهو مؤشر – كما يضيف المصدر نفسه – يمكن البناء عليه باعتباره خط احمر امام اندلاع أي حرب في الداخل اللبناني بما يفضي الى القول ان امر الحرب في الداخل ممنوع ومن الطرفين، وان لبنان هو بمثابة مساحة مشتركة بين الطرفين ولو بشكل غير مباشر يجب الحفاظ على الامن والاستقرار فيه . بانتظار جلاء الأمور في المنطقة باتجاه الحلول ربما سواء من خلال الوصول الى اتفاق ما بين واشنطن وطهران حول الملف النووي والعلاقات بين البلدين او من خلال تسوية ملفات أخرى بينها ما يتعلق بفلسطين المحتلة والوضع في سورية …الخ.