لا سلطة سياسية في المسيحيةً/ بقلم د. رياض السندي/الشراع

الشراع 20 تموز 2023

– توطئة

بتاريخ 20 حزيران من عام 2023 الحالي، أصدر رئيس جمهورية العراق عبد اللطيف جمال رشيد، مرسوماً جمهورياً برقم (31) استناداً للبند سابعاً من المادة (73) من دستور العراق الدائم النافذ لعام 2005 الذي ينص على تولي رئيس الجمهورية “إصدار المراسيم الجمهورية”.

وقد تم نشر المرسوم الجمهوري المذكور في جريدة الوقائع العراقية وهي الجريدة الرسمية لإصدار القوانين والتشريعات العراقية التي تصبح نافذة بمجرد نشرها في هذه الجريدة الرسمية.

وقد جاء المرسوم المذكور ليقضي في الفقرة أولا منه على (سحب المرسوم الجمهوري رقم (147) لسنة 2013، وهو المرسوم الخاص بتعيين البطريرك مار لويس رفائيل الأول ساكو بطريرك بابل على الكلدان والعالم و متولياً على أوقافها بعد المصادقة عليه من فخامة رئيس الجمهورية.

 

– نبذة تاريخية

تجدر الإشارة ابتداءً إلا أن المسيحية خالية من السلطة السياسية، فالمسيح وتلاميذه من بعده لم يقيموا أي سلطة سياسية، فيسوع المسيح ظلّ يردد طيلة حياته على الأرض، إن مملكته ليست من هذا العالم (يوحنا 36:18). وهكذا ظلت المسيحية الشرقية خالية من السلطة السياسية منذ رحيل المسيح وحتى يومنا هذا، على خلاف المسيحية الغربية التي كانت قد أقامت السلطة السياسية حتى قبل مجيء المسيح، وهذه السلطة ذاتها ممثلة بالإمبراطورية الرومانية هي التي قامت بصلب المسيح، وجاء اعتناقها للمسيحية بعد ثلاثة قرون زمن الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول.

وفي ظل غياب السلطة السياسية للمسيحية الشرقية، فقد خضعت كنيسة المشرق وأتباعها إلى السلطات المختلفة التي تواجدوا في ظلها، مثل المملكة الفارسية، والإمبراطورية الرومانية، ثم الخلافة الإسلامية بصيغها المختلفة وآخرها الخلافة العثمانية التي سقطت رسمياً وبشكل نهائي في 3 مارس 1924. وخلال أكثر من 2000 سنة من تاريخ المسيحية في الشرق الأوسط، كان التواجد المسيحي مرهوناً بشروط التعامل الثلاث للإسلام مع الجماعات غير المسلمة،

وهي:

إما الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال. وقد مورست جميع هذه الحالات الثلاث بدرجات متفاوتة، وفي أغلب الأحوال كان دفع الجزية هو العامل الأبرز في استمرار التواجد المسيحي حتى وقتنا الحاضر.
ونظراً لتمسك المسيحية بموقفها الراسخ في عدم الاعتراف بالإسلام وبنبؤة محمد ولضمان بقائها دون التعرض للعنف الإسلامي فقد لجأت إلى ابتداع عدة وسائل قانونية إلى جانب دفع الجزية.

ومن هذه الوسائل:-

أولا:

استحصال رسائل من نبي الإسلام وخلفائه من بعده تتضمن حرية العبادة وممارسة الطقوس وإدارة كنائسهم وضمان أمنهم وعدم التعرض إليهم. وقد إتضح فيما بعد إن معظم هذه الرسائل مختلقة و مزيفة وغير صحيحة، ابتدعها الرهبان لضمان عدم مساس المسلمين بهم، كما أشار إلى ذلك عددا من الباحثين الثقات، كما ذهب الباحث والمؤرخ الكنسي العراقي المعروف ألبير أبونا إلى رأي مماثل بشأن الوثائق الإسلامية الخاصة بكنيسة المشرق النسطورية، حيث كتب تحت عنوان فرعي “وماذا عن العهود؟” يقول: “هل كانت ثمّة علاقات مباشرة بين الجاثليق إيشوعياب الثاني وبين الرؤساء المسلمين؟ نحن نعلم أن المسلمين لم يخرجوا من الجزيرة العربية إلا بعد موت الرسول. ففي خلافة عمر بن الخطاب، إجتاحت القوات العربية بلاد فارس في سنة 637/638. وقد ذكرنا كيف إستقبل المسيحيون الفاتحين العرب. وتضَعُنا الوثائق السريانية أمام مجموعة من الكتابات والمراسلات المتبادلة بين الرؤساء المسيحيين وبين الرسول وخلفائه الأولين. إلا أن معظم هذه الوثائق لا تثبت أمام النقد العلمي والتاريخي، إنما هي روايات ينبغي النظر فيها بكثير من التحفظ…. لذا فأن هذه الكتابات تعكس حالة متأخرة، فيها يشعر المسيحيون بما يتهددهم من الأخطار، فيتذرعون بعهود خيالية يستنبطونها للذود عن كيانهم والحفاظ على دينهم وتقاليدهم”. [الأب ألبير أبونا، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، الجزء الثاني، من مجيء الإسلام حتى نهاية العصر العباسي، ط2، دار المشرق-بيروت 2002، ص54-57.]

ثانيا:

الحصول على اعتراف خطي (عهد) من الخليفة يتضمن حقهم في إدارة كنائسهم وأديرتهم، وحق ممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية دون التعرض إليهم على أن يكون البطريرك ممثلاً لهم و مسؤولاً عنهم أمام الخليفة. وهذا الأسلوب كان مريحاً للخلفاء المسلمين الذين تخلصوا من مشاكل المسيحيين وطلباتهم وتم حصرها بشخص البطريرك. ومن الجانب المسيحي فقد كان هذا سلاح ذو حدين، فمن جهة يؤمن حماية المسيحيين وكنائسهم من المسلمين، ومن جهة أخرى يضمن خضوع المسيحيين لسلطة البطريرك وهيمنته باعتباره وكيلاً للخليفة، ومن أمثلة تلك العهود، عهد الخليفة العباسي المقتفي لإمر الله للبطريرك النسطوري عبد يشوع عهداً بذلك في عام 1138 م، لا سيما وأن هناك العديد من البطاركة الذين ارتبطوا بصداقات شخصية مع خلفاء معينين ولعبوا أدواراً تاريخية متميزة، مثل البطريرك طيمثاوس الأول الذي جمعته صداقة مع الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، ومن جانب آخر كان لبعض البطاركة دورا غير محموداً في تسهيل مهمة الفاتحين والغزاة، مثل البطريرك مكيخا الثاني الذي لعب دورا في تسهيل سقوط بغداد بيد هولاكو عام 1258م من خلال استغلال التقارب مع زوجة هولاكو المسيحية النسطورية دقوز خاتون.

وقد استمر اقرار خلفاء المسلمين لشرعية منصب البطريرك حتى عهد الخلافة العثمانية التي استمرت في حكم المنطقة أكثر من 700 عام، من خلال منحهم وثيقة رسمية بختم الخليفة تتضمن تثبيت البطريرك في منصبه وتقر له بجملة من الحقوق والامتيازات والمسؤوليات.
ففي ظل الدولة العثمانية، ونظراً لكونها دولة دينية قائمة اساساً على الشريعة الإسلامية، فقد كان لكلّ ملّة مسيحيّة رئيسها الديني وهو البطريرك الذي أعتبر كفيلا لضمان تنفيذ رعيته لشروط أهل الذمة، وفي مقدمتها دفع الجزية. وكانت الأحوال الشخصية للمسيحي تحدّد بصفته عضواً في الكنيسة التي ينتمي إليها، وليس بانتمائه للدولة. وبحلول القرن السادس عشر أتم العثمانيون سيطرتهم على المنطقة وبالرغم من عدم الاعتراف بكنيسة المشرق والكنيسة السريانية الأرثوذكسية كملل رسمية إلا أنهم غالبا ما مثّلوا في الباب العالي عن طريق الأرمن الذين حازوا على هذا الحق. [آشوريون/سريان/كلدان، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة.]
وقد “تم تنظيم الرعايا غير المسلمين وفقاً للنظام الإداري العثماني في هياكل شبه مستقلة تُسمّى “ملل” Millets تحل محل السلطة المباشرة لحكومة السلطان وتُمثل بؤرة التمركز الاجتماعي. واعترف العثمانيون بملّة الأرمن الأرثوذكس في عام 1461. كما إعترف السلطان العثماني للملل المسيحية الدينيّة الاخرى في القرن التاسع عشر، فأعترف بملّة النساطرة (كنيسة المشرق القديمة) وبطريركها عام 1844. ثم أعترف بملّة الكنيسة الكلدانية عام 1861.
وإعتبر السلطان العثماني البطريرك المسكوني مسؤولا عن ملّتة المسيحية، فأصدر براءة ضمّن فيها إحترام البطريرك، وإمتداد سلطته لتشمل الرؤساء الدينيين الخاضعين له. كما خوّله سلطات زمنية على أبناء الملّة المسيحية. وهذا أخطر ما في الموضوع، وسيكون لاحقاً وبالاً على البطريرك والكنيسة وأتباعهما معاً. كما إعتبره مسؤولاً عن تصرفات أتباعه، وحاسبه عليها بشدّة. والواقع إن هذه السلطات الزمنية كانت إدارية أكثر منها سياسية. وحتى بعد سقوط الخلافة والدولة العثمانية، لم يكف البطريرك الآشوري مار شمعون إيشاي من المطالبة بالسلطتين الدينية والدنيوية للبطريرك في عريضة مطالبهم المقدمة للمندوب السامي البريطاني السر هنري همفريز بعد اجتماع سرعمادية في 15و16 حزيران عام 1932، حيث نصت الفقرة الرابعة (على العراق الاعتراف بالسلطتين الزمنية والدينية للمار شمعون). [رياض ناجي الحيدري، الأثوريون في العراق 1918-1936، ط1، القاهرة، 1977، ص271.] وهذا ما قاد إلى مذبحة سميل بحق الأثوريين عام 1933، بعد رفض الحكومة العراقية تلك المطالب.

– السند القانوني للطوائف المسيحية في العراق

في عام 1921 أقيم الحكم الملكي لدولة العراق الحديث، وزال -على الأقل من الناحية النظرية- حكم الدولة الدينية الإسلامية ليسود الحكم المدني المستند إلى القانون. ومن الناحية القانونية، فإن القانون العراقي قد أعترف بأربعة عشر طائفة مسيحية في العراق وفقاً لنظام ملحق نظام رعاية الطوائف الدينية، والطوائف الدينية المعترف بها رسميا في العراق رقم 32 لسنة 1981، هي: –

1 – طائفة الكلدان
2 – الطائفة الاتورية
3 – الطائفة الاثورية الجاثيليقية
4 – طائفة السريان الارثوذكس
5 – طائفة السريان الكاثوليك
6 – طائفة الارمن الارثوذكس
7 – طائفة الأرمن الكاثوليك
8 – طائفة الروم الأرثوذكس
9 – طائفة الروم الكاثوليك
10 – طائفة اللاتين
11 – الطائفة البروتستانتية والإنجيلية الوطنية
12 – الطائفة الإنجيلية البروتستانتية الأثورية
13 – طائفة الأدفنتست السبتيين
14 – الطائفة القبطية الأرثوذكسية
[نظام ملحق نظام رعاية الطوائف الدينية، الطوائف الدينية المعترف بها رسميا في العراق رقم 32 لسنة 1981. مما يشير إلى أن الإنقسام بين مسيحيي العراق كبير جداً. وقد أورد القانون ثلاث طوائف أخرى موحدة، وهي: 15 – طائفة الأمويين اليزيدية. 16 – طائفة الصابئة. 17 – الطائفة اليهودية.]

– مضمون إعتراف السلطة السياسية بالبطريرك
سبق الذكر بأن حتى تلك العهود هو عهد الخليفة المقتفي لإمر الله للبطريرك النسطوري عبد يشوع في عام 1138م، والذي نقتطع منه هذا الجزء المهم الذي يبين مضمون العهد وأثاره في حياة البطريرك والمسيحيين، جاء فيه:

” ولما أنهيت حالك إلى أمير المؤمنين، وأنك أمثل أهل نِحلَتك طريقةً، وأقريهم إلى الصَلاح مذهباً وخليقة،

مجلة الشراع