Lebanese Prime Minister Rafiq Hariri takes a phone call during an interview with AFP at his office in Beirut 10 September 2004. Hariri begins a visit to Spain today following the announcement that his government would resign this month. Meanwhile, the United Nations Human Settlements Program is to award Lebanon a prize for its work in rebuilding the country following the 1975-90 civil war and the multi-billionaire premier has been singled out to receive the award, to be given by UN Secretary General Kofi Annan in Barcelona on September 13. AFP PHOTO/Ramzi HAIDAR (Photo credit should read RAMZI HAIDAR/AFP via Getty Images)

رفيق الحريري ذلك الإنسان.. / عبد الهادي محيسن/ الشراع

الشراع 19 حزيران 2023

منذ أن تقلد رفيق الحريري رئاسة الحكومة اللبنانية التي أخذت على عاتقها مهمة الإعمار والإنماء راح لبنان يتحول الى ورشة ضخمة  ، والى سوق واعدة ومركز مالي وإقتصادي عتيد ، تتوافد إليه البعثات وممثلو الشركات الأوروبية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية ، فكان للرجل أثر نفسي بليغ بحيث أن مجرد تعيينه رئيسا لوزراء لبنان أنعش العملة اللبنانية على رغم التداعي الإقتصادي للبلاد ….. وأعاد الثقة للمستثمرينوالمودعين .

والواقع كانت رؤية رفيق الحريري ومشاريعه من أجل لبنان مزدهر ، في قلب الشرق الأوسط ومنطقة الخليج المقبلة على النمو الإقتصادي تتعدى في أغلب الأحيان التقديرات الضيقة لبعض خبراء المحاسبة ، كما تتعدى قدرة صندوق الدولة اللبنانية ، ولكن هذا الأسلوب ويقال أن ” الأسلوب هو الرجل ” والأسلوب الحريري كان مثيرا للجدل دائما فهو أسلوب مباشر ، إجرائي متلهف لتحقيق أهدافه .

وكونه أسلوبا غير مألوف فهو يثير حساسيات الطبقة السياسية التقليدية ، ويقطع الطريق أمام المناورات البرلمانية الكبرى ، كان يطيب لهذا الرجل رحمه الله السريع الخاطر ذو الذكاء الفطري أن يراهن على العبقرية اللبنانية الخلاقة ، وهو لا يتردد في الإستعانة بطاقات جيل جديد من التكنوقراطيين الذين سبق له أن اختبر كفاياتهم ، وقد تسسب له تعيين رجاله حسب تعبير معارضيه في مراكز المسؤولية والإشراف على عمليات الإعمار ، مثل وزارة المالية ومجلس الإنماء والإعمار ومؤسسة الكهرباء ومشروع وسط بيروت مشاكل كبيرة .

لقد أراد الرئيس الحريري في حينه دفع الوزراء الى رفع تحدي الإعمار ، فأكب على ملفات عدد كبير من الوزارات فأمن لنفسه شروط النجاح ، ذلك أن سمات الأسلوب الحريري الإضافية أن صاحبه يصغي لمحاوريه بانتباه … ليعود فيتصرف أغلب الأحيان وفق ما كان قد ارتآه هو ، فكان يواكب شخصيا معظم القضايا بما فيها الإضرابات العمالية والشؤون البلدية ، للتأكد من تذليل جميع العقبات وهو يهيمن بشخصه ونشاطه المكثف ، الى حد حصر صلاحيات مجلس الوزراء في رئيسه معرضا نفسه لتهمة التسلطن ، وعدم إشراك الوزراء والمعاونين في إتخاذ القرارات .

إنه رجل مستعجل ، يريد تحقيق نتائج سريعة ولا يتحمل أن يعاكسه أحد في مشاريعه ويحرص على الإندفاع دوما الى الأمام وعلى أن يثبت للبنانيين أنه وفىّ لوعوده ، وهو لا يفهم كيف يمكن أن يكون هناك معارضة لمسيرة إعادة الإعمار هذه ، وفي سعيه الى الإلتفاف على التباطؤ البيروقراطي والقصور الإداري وقد عمل على إطلاق إصلاح إداري داخل إدارة مهترئة منذ عقود ، ولكن من دون جدوى .

كان الرئيس رفيق الحريري رحمه الله أحيانا بتجاوزهالتقاليد اللبنانية الصغيرة وزعزعة أعرافها ، يحاول القوطبة على جدل برلماني حول مشروع عزيز عليه ويجابه النقد بالنكتة وينزلق في معارك خاسرة بل خسارتها مضمونة سلفا مع بعض وسائل الإعلام المشاغبة ، ويحتقن وجهه فيتلون بالأحمر القرميزي عندما يتعرض لانتقادات عنيفة من قبل النواب في جلسات المناقشة العامة .

وفي تعرضه لألاعيب سياسة الناطور الضيقة التي لا يجيد أصول لعبتها ، إذ يصبح بالتالي عرضة للإنتقادات الصحافية وللهجوم اللازع الذي يشنه عليه بعض السياسيين ، فكان يقابل ذلك بردات فعل عفوية تنم عن طبع لا يعرف التصنع وكبح الجماح ، وهكذا أحيانا كان يراه اللبنانيون معتكفا في بيته عن ممارسة مهامه كرئيس للحكومة ، طوال أسبوع كامل وبعد فترة قصيرة مستقيلا في خضم مجلس وزراء عاصف مثيرا ضجة كبيرة … قبل أن ترفض إستقالته من الرئيس حافظ الأسد في دمشق .

ففي لبنان كانت كل القطاعات بحاجة الى إعادة بناء : منالبنية التحتية الى الصحة والمدارس والمجتمع ونوعية الحياة والإنسان نفسه ، فكل الأمور كانت بحاجة الى إعادة توازن … مثل التفاوت الطائفي وخزينة الدولة والرواتب ومستوى المعيشة لدى طبقة وسطى مسحوقة ، فكل المشاكل كانت بحاجة الى مداواة مثل استياء الشباب والتذمر الإجتماعي الإضرابات النقابية … وكلها أولويات .

كان الرئيس الحريري رحمه الله قد ورث مخلفات الحرب التي أحبطت جهود أسلافه ، لا بل أطاحت ببعضهم فكان من المفروض فيه أن يأتي بالحلول الناجعة لجميع مصائب لبنان ، وأن يحقق جميع الإصلاحات المرجوة ، وعليه في آن ، أن يفرق بين الحريري رجل الأعمال والحريري رئيس الحكومة ، وأن يطمئن أولئك الذين يخافون من الخلط بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة .

كما كان عليه أن يحقق آمال أولئك الذين راهنوا على نجاحه الشخصي سبيلا لنهوض وطنه … وباختصار كان عليه أن يبني المؤسسات ، واضعا رصيده الشخصي في الميزان … إنه رهان مرير وصعب وقد كسبه رحمه الله ، وأحيانا يذكرنا المرحوم رفيق الحريري بقصة ذلك الطائر الذي يحاول الإنطلاق ورجلاه غارقان في وحول السياسة اللبنانية ، وجناحاه مثقلان بالدمار الإجتماعي والمادي الذي لحق ببلد يسعى الى الإقلاع .

عبد الهادي محيسن …. كاتب.

مجلة الشراع