​​​العيش غير المشترك والتكاذب المشترك؟! / كتب: حكمة ابو زيد/الشراع

الشراع 5 حزيران 2023

ذكرت “النهار” في عدد 29 –  5 2023 ان قائد الجيش العماد جوزف عون قلق من احجام الشباب المسيحيين عن التطوع في الجيش مما يهدد التنوع الطائفي في صفوف عناصره، وهذا ما يشوه ميزة التعددية اللبنانية في هذه المؤسسة المهمة التي هي الركن الأساس في هيكل الدولة. لا شك أن قلق العماد القائد في موقعه، ويعبّر عن حسّ وطني سليم ومنزّه في وقت تنمو فيه الطموحات الانغلاقية وتعلو أصوات التباعد مشحونة بسموم التطرف الديني والتزمت الطائفي الجاهل.

والحقيقة ان الواقع الذي يقلق قائد الجيش، اليوم، ليس جديدا” على الجيش ومعظم الإدارات الرسمية للدولة. فمنذ ثمانينات القرن الماضي لم يعد الشباب المسيحي يُقبِل بحماسة على الوظائف الحكومية حتى في درجاتها العليا أحيانا”. وقد عايشت هذه الحالة من موقعي في رئاسة الحكومة كمستشار اعلامي لعشرة أصحاب دولة على مدى إحدى وثلاثين سنة انتهت سنة 2000 مع استقالة آخر حكومة للرئيس سليم الحص.

وللعزوف أسباب كثيرة لعل أخطرها شعور مسيحي بأن المستقبل اللبناني لن يكون مريحا” للمسيحيين والمدّ الديموغرافي المسلم يجتاح المنطقة، ولبنان منها، مصحوبا” بنمطية فكرية جديدة تقدّم الولاء الديني والطائفي والمذهبي على الولاء الوطني الذي يجب أن يكون ” العروة الوثقى” التي تجمع المواطنين وترعى توجهاتهم العقائدية والسياسية. أما السبب الآخر المهم فهو ارتفاع عدد “المتعلمين” في الوسط الشعبي المسيحي وشعور الكثرة منهم أن “مستواهم” العلمي يؤهلهم للوظائف “الديوانية” حيث المكاتب والأقلام ورفاهة العيش، مع أن هذا الشعور هو ” نفخة” غير واقعية وغير صحية وفيه كثير من الغرور الاحمق.

وأذكر، هنا، اننا في “الرابطة المارونية” وبالتعاون مع مؤسسة “لابورا” بإدارة الاب أنطوان خضرا ناشدنا الجامعات والاديرة ورجال الدين المسيحيين تحريض الشباب المسيحي على التطوع بالجيش والتوظف في الإدارات الرسمية، ونظّمنا دورات خاصة لتأهيل الراغبين بالتطوع والتوظف وجعلهم قادرين على النجاح في الامتحانات التي كان يجريها مجلس الخدمة المدنية. ولكن التطورات السياسية المتلاحقة وما شابها ورافقها من صدامات ونكسات وخيبات أفشلت المحاولة التي كانت بدأت تعطي النتائج الإيجابية.

ولكن، هل ما سبق ذكره هو وحده سبب “النقزة” المسيحية التي ولّدت وتولد ظاهرة العزوف عند الشباب المسيحي؟؟ الحقيقة لا كبيرة جدا”. الحقيقة هي أن المجتمع المسيحي بدأ يعاني من فكر وسلوك ورغبة في تغيير صورة لبنان ونمط الحياة فيه بوسائل فيها الكثير من الاستنسابية الدينية والمذهبية يعتبرها قسم غير قليل من اللبنانيين دخيلة على اعرافهم وسلوكهم وطريقة ممارسة شعائرهم الدينية، حتى أن بعض اللبنانيين صار في شبه غربة عن البعض الآخر. فالموسيقى حرام، والطرب والرقص والغناء والدبكة من الموبقات ومراتع الميوعة. وما حصل على شاطئ صيدا ليس إلاّ نقطة في بحر التباعد الاجتماعي والثقافي المذهل والمعيب الذي يَعمهُ في قذاراته الواقع اللبناني اليوم. وللمناسبة لا بد من التنويه بشجاعة المواطنين الصيداويين المتنورين الذين تصدوا للهجمة المتخلفة.

والأخطر من كل هذا الشيخوخة التي تُطبِقُ على حيوية المجتمع المسيحي بفعل الهجرة المتفاقمة للأجيال الشابة وأصحاب الاختصاصات العلمية والتقنية. ان كبار السن من اللبنانيين، وخصوصا” المسيحيين منهم ، يتحدثون بألم وحسرة عن “لبنانهم” القديم الذي سُمي سويسرا الشرق وفردوس الدول العربية، ويقارنون بينه وبين لبنان أبنائهم واحفادهم ولا يجدون حرجا” في نصحهم بالهجرة وضمان مستقبلهم في الدول التي حطمت سجون الانغلاق الفكري والثقافي.

قد تغضب الصراحة هذه، بعض الناس والفئات، لا يهم. المهم عندي هو لبنان ” النموذج والرسالة”، لبنان الحرية. حرية المعتقد والثقافة واللباس. حرية الفن والمهرجانات الغنائية المحلية والعالمية. حرية لبنان ال 10452 كلم مربعا”. لا حرية هذه المنطقة او هذه المحافظة او هذه الضاحية. لبنان، يا سادة اما أن يكون واحة للحرية أو لا يكون لبنان ” عرش الله” ومهد الحضارات. وما يقال عنه انه “صحوة” ليس الا عودة الى الماضي واعرافه وسلوكياته وتقاليده المناقضة للحداثة والتطور والانفتاح.

كتب الوزير السابق، الاديب والشاعر والمؤلف، “السيد” جوزف الهاشم،في جريدة “الجمهورية” بتاريخ 2 حزيران الجاري، قال: “يقول اللاهوتيون لا يستطيع المشككون ادراك حقيقة الايمان اذا كانوا يجهلون معنى الوجود الإلهي..” وأضاف: ” بالمقارنة لا يستطيع اللبنانيون إدراك حقيقة الايمان بلبنان إذا كانوا يجهلون معنى وجود لبنان التاريخي ولبنان الصيغة الفريدة في هذا المعترك الاممي المتخبّط بالغرائز المذهبية والتكفير الحضاري..”

أن العزوف المسيحي عن الانخراط في هيكلية الدولة العسكرية والأمنية والمدنية، هو ظاهرة غير صحية وطنيا“، ولكنها تبقى ظرفية يمكن معالجتها،فالأخطر تلك الثقافة الدخيلة على التعددية اللبنانية ورحابة العيش في كنفها.ان البلدات والقرى اللبنانية ذات الحضور البشري المختلط بدأت تعاني من تداعيات هذه الثقافة التي تضرب “العيش المشترك” الذي يفاخر به لبنان ويعتبره من أهم خصائصه الحضارية. وهذه الثقافة الدخيلة هي في خلفية دعوة البعض للحكم الذاتي أو الفيدرالي، لان كل شيء ضده من جنسه. في الامثال: “صديقك من صدقَك لا من صدّقك” وما أقوله، بصدق وألم، مستوحىًمن فكر السيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ صبحي الصالح والمطران غريغوار حداد والأب العلامة يواكيم مبارك. فلنعد الى أقوال هؤلاء الرسل، مسيحيين ومسلمين، ونلتزمها بإخلاص لنخلّص اللبنانيين من جهنم التباعد والفرقة التي لا تطفئ نارها مطولات التكاذب المشترك عن العيش المشترك الذي يبدو انه يخوض معركة بقاء نأمل ان لا تكون خاسرة.“اللهم اشهد إني قد بلّغت”.

حكمة .س. أبو زيد

   صحافي وكاتب سياسي

مجلة الشراع