قَدَر زغرتا مع رئاسة الجمهورية!؟ / كتب حكمة .س. أبو زيد/الشراع
62
الشراع 22 ايار 2023
في مذكراته “القدر والخيار” كتب الوزير الأسبق للعدل الدكتور إبراهيم نجار:” الخيار غير القدر، وما نخطط له يبقى عرضة لكمٍ هائلٍ من الصدف وعدم التوازن…” قد يكون ما استنتجه الدكتور نجار هو القَدَر الذي يتفوق على الخيار ويمنعه من تحقيق ذاته واثبات صحة قراره. ربما، وعلى سنّة الامام الشافعي: “رأيُنا صوابٌ قد يحتمل الخطأ ورأيُهم خطأ قد يحتملُ الصواب”. وفي معمعان الصراع الضاري، والمميت أحيانا”، بين الخيار والقدر تشرئبُّ حالة زغرتا مع رئاسة جمهورية لبنان مضرّجة بالدماء ومشرعة على شتى الاحتمالات والمفاجآت! وما نشهده هذه الأيام على جبهة انتخاب رئيس للجمهورية هو في هذا السياق.
ففي سنة 1957 كان حميد فرنجية أبرز المرشحين لتبوء منصب رئاسة الجمهورية وكان الصراع صارخا” بين آل فرنجية وآل الدويهي بقيادة الاب سمعان الدويهي مدعومين من رئيس الجمهورية كميل شمعون، المشرفة ولايته على الانتهاء،ومعارض وصول فرنجية الى قصر القنطاري حيث كان مقر الرئاسة الأولى. وكان فرنجية نافس شمعون وأوشك أن يفوز في السباق لو لم يتدخل حاكم سوريا، عامذاك -1952- اديب الشيشكلي ويضغط على النواب السنة وخصوصا” نواب بيروت، ويحملهم على تأييد شمعون.
وفي أوج هذا الصراع، وقد صُب الزيت على ناره أثناء الانتخابات النيابية التي جرت في السنة (1957) وفي احدى كنائس بلدة مزيارة وقعت مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها عدد كبير من القتلى الزغرتاويين وأبناء القضاء،بعضهم من آل الدويهي. ونجا الاب سمعان الدويهي بأعجوبة بعدما اخترقت احدى الرصاصات ثوبه الكهنوتي وهو في طريقه الى السكرستيا للاحتماء فيها. واتُهم يومها سليمان فرنجية شقيق حميد وحليفه النائب رينه معوض بارتكاب المجزرة، وحكم عليهما المجلس العدلي بالإعدام، وهما فارّان الى سوريا. أما حميد الذي هاله ما حلّ بأبناء بلدته فقد أصيب بجلطة دماغية عجز الطب في التغلب عليها رغم العلاج الطويل والمكثّف الذي خضع له في فرنسا وكانت سبب وفاته. وتسلم شقيقه سليمان راية زعامة العائلة المتحالفة مع آل معوض. وهذه الاحداث كانت قَدَرا” ولم تكن خيارا”، وفي خلفيتها رئاسة الجمهورية.وحميد فرنجية كان صاحب كاريزما وهيبة. رصين. وقور. يتحدث بهدوء وتأنٍ، وعندما يخطب في جلسات مجلس النواب يسود الصمت حتى “اذا وقعت الابرة بتسمع رنتّا.” وكان رحيله خسارة وطنية.
في عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب الذي خلف شمعون سنة 1957، أعاد المجلس العدلي محاكمة سليمان فرنجية ورينيه معوض وبرّأهما من مجزرة كنسية مزيارة، دون أن يحضرا جلساته، فعادا الى لبنان وعاودا حياتهما الطبيعية، مع بقاء حالة العداء مع آل الدويهي وقائدهم الاب سمعان. وسنة 1960 أُقر قانون انتخابات جديد جعل عدد النواب 77 نائبا” حصة زغرتا منهم ثلاثة نواب كانوا: رينيه معوض، سليمان فرنجية، ويوسف كرم. ولم يحالف الفوز الاب سمعان. أما في انتخابات 1964 و1968 و1972 فكانوا: سليمان فرنجية،رينيه معوض والأب سمعان الدويهي. وقد عاش المجلس الأخير الى سنة 1989 بحكم التمديد المتتالي بسبب الحرب التي اندلعت سنة 1975.
وكان القَدَر لعب سنة 1970 ورقة سليمان فرنجية وانتُخب رئيسا” للجمهورية بفارق صوت واحد ، 50-49 ، عن منافسه الياس سركيس مرشح الشهابية يومها.ومن “عجائب” ذلك الانتخاب ان الاب سمعان انتخب “عدوه” سليمان انسجاما” مع معارضة الرئيس شمعون المرشح الشهابي الياس سركيس، في حين انتخب رينيه معوض المرشح الشهابي وليس حليفه الزغرتاوي. ولكن الخيار عاد وتدخل ضده بدءا” من سنة 1974 واخذ يحشد القوى لإسقاطه، فقصف القصر الجمهوري ودمّر قسم منه مما حمل الرئيسفرنجية على مغادرته والإقامة في مقر مؤقت في بلدة “الكفور” الكسروانية حتى انتهاء ولايته سنة 1976. وقد انتُخب منافسه السابق الياس سركيس رئيسا” للجمهورية وبدعم منه، قبل ستة أشهر من انتهاء الولاية وكانت سابقة في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية. ونعمت زغرتا في هذه الفترة الزمنية بعلاقات طيبة بين عائلاتها بالرغم من توزع ولاءاتهم السياسية الى أن اغتيل طوني سليمان فرنجية في منزله الصيفي بإهدن برصاص مجموعة كتائبية أرسلها بشير الجميل وكانت بأمرة سمير جعجع الذي أصيب قبل وصوله الى منزل فرنجية ولم يشارك في عملية اغتياله. وكان قَدَر زغرتا، مرة جديدة، مضّرجا” بدماء الطموح لرئاسة الجمهورية!!فبشير، قائد “القوات اللبنانية“، كان يخطط للوصول الى قصر بعبدا وعين طوني على الموقع أيضا“، والحساسية مشتعلة بين الكتائب والمردة مع ان الاثنين كانا من اركان “الجبهة اللبنانية” التي تمثل الأكثرية الساحقة من المسيحيين. وقد فجّر بركان الحساسية “العراضة” الحاشدة التي واكبت بيار الجميل الى اهدن لتلبية دعوة الرئيس فرنجية له لتناول الغداء في دارته!!
وتدخل القَدَر من جديد في الشؤون الزغرتاوية وعمل لمصلحة انتخاب رينيه معوض رئيسا” للجمهورية في سنة 1989 في جلسة عقدها النواب العائدون من “الطائف” في المملكة العربية السعودية في مطار “قليعات” قرب طرابلس. ولكن خيار العماد ميشال عون قائد الجيش المقيم في القصر الرئاسي بصفته رئيس الحكومة التي ألفها الرئيس أمين الجميل قبيل انتهاء ولايته بدقائق معدودة، من ستة ضباط ثلاثة منهم مسيحيون وثلاثة مسلمون،كان له رأي آخر باتفاق الطائف وبالتوجه لانتخاب شخص غيره للرئاسة، فعمد الى حل مجلس النواب قبل انتخاب معوض واعتبر انتخاب معوض غير دستوري، ورفض تسليمه مقر الرئاسة الأولى في الدولة. وفي المقابل رفض سليم الحص الاعتراف بشرعية حكومة ميشال عون التي استقال، أو “إستُقيلَ” وزراؤها المسلمون الثلاثة فور إذاعة مراسيم تأليفها، وتابعت حكومته عملها في المناطق التي كانت تخضع لسلطة “الحركة الوطنية” والفلسطينيين. وأمام هذا الواقع أقام الرئيس معوض في شرقي بيروت في بناية قدّمها رفيق الحريري قرب اوتيل “بورفاج” بانتظار إيجاد صيغة ما للتفاهم مع العماد عون.
ورسمت روزنامة الزمن تاريخ 22 تشرين الثاني، ذكرى استقلال لبنان، فاستعيض عن الاحتفال بها في القصر الجمهوري باحتفال أقيم في السراي، حضره الرئيس معوض يحيط به رئيس مجلس النواب حسين الحسيني ورئيس الحكومة سليم الحص ووزراء حكومته وحشد من المسؤولين والمواطنين. وبينما كان الرئيس معوض عائدا” الى مقر اقامته المؤقت، وعلى بعد مئات الأمتار من السراي تفجر “الخيار” في موكبه فتشظى جثمانه وغرقت زغرتا ولبنان في ظلمات الحزن على الرئيس الشهيد ولبنانه المحكوم بالخيارات المدمّرة. وكانت الجريمة هذه المرة “خياراً” لا قَدَرا”!!
واليوم، في سنة 2023، يتنافس ” الخيار والقَدَر” رئاسيا” في زغرتا نفسها وبين اثنين من ورثة رئيسين للجمهورية من أبنائها. الأول، سليمان طوني فرنجية، هو خيار ثنائي “حزب الله” وحركة “أمل” الشيعيين ، والثاني ، ميشال رينيه معوض ، هو، حتى اليوم، خيار خصوم ومعارضي الثنائي الشيعي وحلفائه. وبين هذين الخيارين يلوح شبح القَدَر نافرا” حينا” ومتواضعا” أحيانا”. لماذا؟ لأن الخيار الأول لا يملك زمام جواد قَدَر الخيار الثاني ولذا يبدو غير قادر على كسب السباق به. أما الخيار الثاني فتبدو حظوظ نجاحه رهن خيارات اكثر من قَدَر واحد. “وحلاّ اذا فيك تحلاّ”.
وإذا كان الصراع بين الخيار والقَدَر ينتهي، اجمالا”، بحلول مضرّجة بالدماء فأمنية اللبنانيين أن تشذ زغرتا عن هذه القاعدة اللعينة وتقرع أجراس الفرح لمن يختاره قدَرُهُ وأوراق صندوقة الاقتراع، إذااتفق الخيار والقدر على رئيس من أبنائها. أما اذا توافقا على اختيار واحد من خارجها فلتتقبله برحابة صدر وفروسية اشتُهر بها أبناؤها خصوصا” ان ” الدنيا بتهز وما بتوقع.”