تبرئة نبي الله داود عليه السلام / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

الشراع 18 ايار 2023

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى:{وهل أتاك نَبَؤُا الخصم إذ تَسوَّروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغَى بعضُنا على بعضٍ فاحكم بيننا بالحق ولا تُشْطِط واهدنا إلى سوآء الصراط إن هذاأخي له تسعٌ وتسعون نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ فقال أكفلنيها وعزَّني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرًا من الخُلطاء ليبغي بعضُهم على بعضٍ إلا الذي ءامنوا وعملوا الصَّالحات وقليلٌ ما هم وظنَّ داود أنما فتنَّاه فاستغفر ربه وخرَّ راكعًا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزُلفى وحُسنَ مئاب} سورة ص.

لقد بعث الله تعالى نبيه داود عليه السلام بدين الإسلام كسائر الأنبياء الكرام وجمَّله بصفات الكمال التي تليق به كغيره من المرسلين وقد أيَّد الله نبيه داود عليه السلام بمعجزاتٍ باهراتٍ ويطول الكلام لو استعرضنا ذكر بعض تلك المعجزات أو بعض سيرته الغرَّاء صلى الله عليه وسلم إلا أنني أردت من خلال هذا المقال أن أُسلِّط الضوء على تبرئة سيدنا داود عليه السلام من بعض ما نُسب إليه مما لا يصح ولا يليق به إنما هو محض افتراءٍ من دسائس الإسرائيليات وافتراءات اليهود والعياذ بالله. وللأسف قد دخل هذا الكذب في كتب بعض المفسرين الذين يقلِّد بعضهم بعضًا من غير تحقيق ولا اعتماد الدليل أصلًا للمسألة. ولا شك أن التقليد في العقيدة دون الاستناد إلى البرهان القاطع قبيحٌ وقد ذمَّ الله تعالى الكفار على تقليدهم الأعمى في العقيدة، قال تعالى:{وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتَّبع ما ألفينا عليه ءابآءنا أولو كان ءابآؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون} سورة البقرة.

وحيث جعل الله الأنبياء الكرام في الطبقة العليا في الفضل والرِّفعة وأرسلهم لهداية الناس والله تعالى حكيمٌ لم يُرسل للناس إلا عظيمًا كريم الأخلاق فليس لأحدٍ أن يعتقد فيهم خلاف ما قام عليه الدليل من تنزههم عمَّا لا يليق بهم، وقد أساء بعض المفسرين بتفسيرهم للنِعاج في الآيات أعلاه بالنساء ليؤيد قصةً فاسدة ذكرها بعض المفسرين والمؤرخين إذ زعم وافترى بعضهم أن داود عليه السلام كان يومًا في محرابه إذ تمثَّل الشيطان بشكل حمامةٍ من ذهب سقطت أمامه فأراد أن يأخذها فطارت فذهب ليمسكها فرأى امرأةً تغتسل فوقع في حبِّها وعشقها وكانت هذه المرأة زوجة أحد القادة عنده واسمه أُوريا فأراد داودعلى زعمهم أن يتخلَّص منه ليتزوج امرأته من بعده فأرسله إلى أحد الحروب وحمَّله الراية وأمره بالتَّقدم وأوعز إلى الجنود أن يتأخَّروا عنه ليُقتل وتمكَّن بهذه الطريقة من نكاح امرأته وضمِّها إلى نسائه، وزاد بعضهم فزعم والعياذ بالله أن داود عليه السلام قد زنى بتلك المرأة قبل تدبير هذه المكيدة، وزعم بعض المفسرين أن الخصمين اللذين اختصما إلى داود عليه السلام عبّرا بالنعاج عن المرأة تنبيهًا إلى ما فعله داود عليه السلام، وكل ذلك فاسدٌ وباطل فالحذر الحذر.والحق أنه لا يليق مثل هذا بالناس العاديين ومن عُرف بمثل هذا تنفر منه قلوب الناس ولو كان ملكًا أو رئيسًا فكيف استساغ بعضهم نسبة ذلك إلى بعض أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام وخالف الدلائل العلمية وأقوال الأئمة في عصمتهم كما قرر ذلك العلماء كالقاضي عياضٍ في “إكمال المعلمِ” وغيره الآلاف من العلماء.

النعاج والخصمان

قال الحافظ ابن الجوزي في “تفسيره” بعد ذكره هذه القصة المكذوبة: “وهذا لا يصح من طريق النقل ولا يجوز من حيث المعنى لأن الأنبياء منزَّهون عنه”. وفي كتاب “تنزيه الأنبياء” لابن خُمير السبتي يقول: “فمن شنيعِ تَخَرُّصِهم في قصته ثم سرد القصة المكذوبة وقال “والذي ينبغي أن يُعوَّل عليه في هذه القصة وما يُضاهيها من القصص ما جاء به الكتاب العزيز أو ما صحَّ عن رسول الله عليه السلام من الخبر وما سوى ذلك فيُطرح هو ومختلقه (كاذبه) وراويه إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم”قلتُ: وأم قشعم الحرب والمنية وألقت رحلها أم قشعم شطر لبيت شعرٍ قاله الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سُلمى ثم استعملت العرب هذه العبارة في الدعاء لدفع ما يسوء ليذهب من غير رجعة وذهبت مثلًا،وكأن ابن خُمير أراد أنه ينبغي ترك تلك القصة المكذوبة ونبذها إلى غير رجعة فلا تذكرها أبدًا لأنها فاسدة وإذا عُلم هذا ينُاسب بعد التحذير منه بيان التفسير الصواب فنقول: قد تُكني العرب عن النساء بالنعاج لكن لا يجوز تفسير النعاج في هذه الآية بالنساء، قال الحافظ تقي الدين السبكي “النعجة في الآية هي النعجة الحقيقية والخصمان من البشر”قلت: وأما استغفار داود عليه السلام فهذا لأنه حكم بين الاثنين بسماعه من أحدهما قبل أن يسمع من الآخر وقد ذكر هذا القول الماوردي في النكت والعيون” وغيره.

وقد كان سماعه من أحد الخصمين ثم الحكم قبل أن يسمع من الآخر معصيةصغيرة ليس فيها خسةٌ ولا دناءة وقد عصم الله الأنبياء من الكفر والكبائر وصغائر الخسة أما الصغائر التي لا خسة فيها ولا دناءة فيمكن وقوعها منهم لكن ينبهون فورًا للتوبة، وعلى هذا المعنى يُحمل استغفار داود عليه السلام، وقال بعض العلماء: الأنبياء معصومون من كل الذنوب كبائرها وصغائرها حتى التي لا خسة فيها ولا دناءة وأما إطلاق اسم المعصية في حق بعضهم كما في قوله تعالى في شأن آدم عليه السلام:{وعصى ءادم ربه} سورة طه، وقوله في إبراهيم السلام:{والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} سورة الشعراء،  فإنما سمي معصيةً أو خطيئةً بالنسبة لعلو مقامهم ولكنه ليس ذنبًا حقيقيًّا، وتقريب ذلك أنك ترى فعلًا من شخصٍ له قدرٌ رفيعٌ فتلومه عليه وربما رأيتَ نفس الفعل صدر من آخر فلا تُلقي له بالًا لأن النظر إلى أفعال الناس يختلف باختلاف مقاماتهم وأحوالهم وعلى هذا القول لا يكون استغفار داود عليه السلام من ذنبٍ كذنوبنا.

والحمد لله أولًا وآخرًا.  

مجلة الشراع