الورّاقة والوراقون وبداية حركة التأليف والترجمة العربية – عبد الهادي محيسن… كاتب وباحث/الشراع

الشراع 25 نيسان 2023

نظرا لنمو حركة التأليف والترجمة التي ظهرت مع أوائل العصر العباسي وما استتبعها من كثرة المؤلفات وحرص الناس على تناقلها ، ونتيجة لتصنيع الورق في بغداد في الربع الأخير من القرن الثاني وما نجم عنه من سهولةالحصول عليه وتداوله بين الناس ، فقد ظهرت صناعة الورق التي تفرغ لها الورّاقون ومارسها الى جانب هؤلاء المحترفين عدد كبير من العلماء والأدباء والمحدثين والمفسرين واللغويين والنحاة .

والورّاقة كما يفسرها ابن خلدون  هي عملية الإنتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية والدواوين ، وبتعبير العصر نستطيع أن نقول أن الوراقة هي عملية النشر والتحقيق بكل ماتستتبعه من تصحيح وتجليد وتوزيع ، أما حوانيت الورّاقين فكانت تقوم مقام دور النشر في عصرنا هذا وكانت تقوم الى جانب ذلك بما تقوم به المكتبات الآن من بيع الورق والأدوات المكتبية كالمداد والأقلام ، وكانت متمركزة في المراكز الحضارية وفي مقدمتها عاصمة الخلافة بغداد .

وهناك رأي يرجع بنشأة الورّاقة الى مالك بن دينار المتوفي سنة 130 هجرية ونحن نرجع الى أن لفظ الورّاقة مشتق من الورق ، وطبيعي أن لا تظهر الصناعة إلا بعد أن يوجد الورق ويشيع بين الناس ويصبح في متناول الجميع ، وذلك شيء لم يحدث إلا في أواخر القرن الثاني الهجري بعد أن صُنع الورق في بغداد .

والواقع أنه في أواخر هذا القرن  كان كل شيء مهيأ لظهور الورّاقة ، فإلى جانب صناعة الورق وجد شريانان مهمان تحديا حركة الورق وأمَدّاها بدماء متدفقة متجددة وهما الحركة العلمية وما استتبعت من نشاط في التأليف والترجمة ، ومجالس الإملاء وما نتج عنها من مؤلفات عرفت بالتاريخ العربي بإسم الأمالي .

وهكذا التقت تلك الروافد الثلاثة لتغذي حركة الوراقة التي انتشرت حوانيتها في شوارع بغداد حتى نيّفت على مائة حانوت قبل أن يبلغ القرن الثالث نهايته ، ولم تكن تلك الحوانيت مجرد أماكن لنسخ الكتب أوبيعها كما يتبادر الى الذهن ، وإنما كانت ” مجالس للعلماء والشعراء ” على حد تعبير ابن الجوزي وملتقى الطبقات المثقفة في المجتمع العربي وكان يقوم عليها رجال أولو فضل وعلم لعل من أبرزهم محمد ابن اسحاق النديم وأبو حيان التوحيدي .

وخلال القرنين الثالث والرابع الهجريين أصبحت الوراقة صناعة رائجة وحرفة مجزية ، وكانت أسعار النسخ باطراد حتى أنها تضاعفت عشر مرات خلال قرن واحد ، ثم تنشط سوق الوراقة وترتفع الأسعار إرتفاعا ملحوظا حتى أصبحت الورقة تستنسخ بدرهم ، وبينما كان بعض الوراقين موظفين دائمين عند علية القوم كأولئك الذين كانوا يورقون في خزانة الوزير أبي الفرج يعقوب بن كلس ، كان بعضهم الآخر يختصون بعلماء معينين فيلزمونهم كما كان الحال بالنسبة الى وراقي الفراء .

وكثيرا ما كان الوراقون يباشرون أعمالهم في دور من يقمون بالوراقة لحسابهم وربما اضطروا الى المبيت عند المؤلفين في فترات التأليف كالذي يرويه الخطيب البغدادي من أن يعقوب ابن شيبة السدوسي المتوفي سنة 262 هجرية كان في بيته أربعين لحافا أعدها لمن يبيت عنده من الوراقين لتبييض المستندات ونقلها .

والأمر الذي لا جدال فيه هو أن حركة الوراقة في القرنين الثالث والرابع الهجريين تعكس نشاطا فكريا رائعا وتمثل جانبا مضيئا ليس في تاريخ الثقافة العربية فحسب وإنما في تاريخ الحضارة الإنسانية كلها فقد كانت عاصمة العباسيين في ذلك الزمان تتمتع بثراء فكري منقطع النظير ، وكانت سوق الوراقين مركزا للنشاط العقلي وحوانيتهم مستودعا لكل ما أنتجته القريحة العربية في شتى فروع المعرفة ، وكانت كثرة هذه الحوانيت ورواج سوقها دليلين واضحين على خصوبة الفكر العربي واهتمام الناس في ذلك الزمان بكل ما يلقى في مجالس الإملاء ، وما يدوّن في بطون الكتب من علوم الدنيا والدين .  

وكان بعض الوراقين يسعون الى المؤلفين لكي يحصلون منهم على ما يمكن أن نسميه حقوق النشر بمصطلح العصر الحديث ، ثم يمضون الى العلماء وطلاب العلم يعرضون عليهم بضاعتهم من الكتب التي أعطى لهم مؤلفوها حق توريقها ، ومن أراد نسخة من كتاب فما عليه إلا أن يتفق مع الوراق على السعر والوقت الضروري لعملية النسخ والمراجعة والضبط .

ولكن الصورة المضيئة لم تكن تخلو من جوانب معتمة ، فقد كان بعض الوراقين يختلقون الأكاذيب ويزيفون الحقائق وينسبون المؤلفات الى غير أصحابها … ويروي ابن النديم أن كتاب الأغاني الكبير الذي ينسب الى إسحاق ابن إبراهيم الموصلي ليس من تأليفه ، وإنما وضعه ورّاق يدعى سندي بن علي ، ولكن ينبغي أن لا نبالغ في ذلك ، إذ أن هذا الجانب المظلم والمحدود لا يمكن أن ينال من الصورة الكبيرة المشرقة التي لا نملك إلا أن ننحني لها إجلالا وتقديرا .

عبد الهادي محيسن … كاتب وباحث .  

مجلة الشراع