قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يا أيها الذين ءامنوا كُتب عليكم الصِّيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} سورة البقرة.

ينصرف كثيرٌ من الناس في شهر رمضان المبارك إلى التَّفنن بلذيذ المآكل والمشارب بل قد جرت العادة عند بعضهم العمل على الاستعداد بالتزودبالأطعمة والأشربة قبل رمضان بشهرٍ أو شهرين ليكون ذلك مدَّخرًا لشهر رمضان خاصةً، وتراهم يُنفقون على ذلك الأموال الكثيرة ويتنقَّلون من حانوتٍ إلى آخر لشراء ما تتوق إليه أنفسهم وتميل إليه شهوات بطونهم، وربما سلكوا في ذلك أحيانًا مسلكًا حرامًا ويغفُلون عن أن شهر رمضان المعظَّم شهر الطاعة والعبادة والبِرِّ والإحسان والأولى بأمثال هؤلاء أن يهتموا للأعمال الصَّالحة بالإقبال عليها والإكثار منها بدل صرف الأيام والليالي لإشباع الشهوات فإن الله تعالى يقول:{وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب}سورة البقرة.  

ولقد جعل الله تعالى صيام أيام رمضان فريضة وقيام لياليه تطوعًا فالكيِّس من جعل نفسه في هذا الشهر الكريم بين الصيام والقيام وغض البصر وحفظ الجوارح لا سيما اللسان واغتنام نفحاته الميمونة فقد جاء في كتاب “الإحياء” للغزالي عن الإمام الحسن البصري أنه مرَّ بقومٍ وهم يضحكون فقال: إن الله عزَّ وجلَّ جعل شهر رمضان مِضمارًا لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسَبق قومٌ ففازوا وتخلَّف أقوامٌ فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون”. و”المِضمار” هو المكان الذي تُضمر فيه الخيل أي تُجهَّز للسباق، والمعنى أن شهر رمضان موسم للخير يتجهَّز فيه الصَّالحون للاستفادة من أوقاته فيتسابقون فيه إلى ما يُرضي اللهَ ورسولَه،ونظرًا لشرف زمانه تتضاعف فيه هممهم عملًا بقول الله تعالى في سورة المائدة:{فاستَبِقُوا الخيرات} أي فبادروا إلى الخيرات.

وللمؤمن أسوةٌ حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم فجديرٌ به أن ينظر كيف كانت سيرة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام في رمضان ليقتدي به فعن ابن عبَّاسٍ قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس بالخير وكان أجودَما يكون في رمضان وكان جبريل يلقاه كل ليلةٍ من رمضان يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآنَ فإذا لقيه جبريلُ كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة”  متفقٌ عليه.

وقوله يعرض عليه القرآن معناه يُدارسه القرآن الكريم، قال ابن علَّان في “دليل الفالحين”: “قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس والغنى (غنى النفس) سبب الجود وأيضًا فرمضان موسم الخيرات لأن نعم الله فيه زائدةٌ على غيره”وقوله “الريح المرسلة أي المطلقة وعبَّر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها أي وكذلك عموم النفع بجوده صلى الله عليه وسلم.

وعن أم المؤمنين عائشة قالت: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخَل العشر (أي الأواخر من رمضان) شدَّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله” رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجرٍ في “الفتح”: “قوله شد مئزره أي اعتزل النساء. وفيه:المراد شد مئزره حقيقة فلم يُحلَّه واعتزل النساء وشمَّر للعبادة”. وعن عائشة أيضًا قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره” رواه مسلم.

فيا أيها المؤمن إذا ما كان هذا حالَ إمام الناس وسيد المرسلين سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم في رمضان فماذا ينبغي أن يكون حالك أنت؟

بهؤلاء فاقتد

حريٌ بك أن تسير في هدي نبيك الأكرم صلى الله عليه وسلم وعلى خطى الصَّالحين بدل أن تسير في السبل الملتوية متنقلًا بين السهرات في المطاعم أو البيوت أو خِيام المجون مع رفقاء السوء أو على شاشات التلفزة وأن تنظر كيف كان اقتداء الأكابر برسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف كانت أحوالهم في رمضان فيكون ذلك حافزًا لك لتوطيد النفس على الخير، وإليك فتأمل بعض تلك النماذج وانظر أين أنت من هؤلاء العظامجاء في كتاب “أخبار أبي حنيفة وأصحابه” للصيمري عن أبي يوسف أحد أكبر أصحاب أبي حنيفة قال: “كان أبو حنيفة يختم القرآن كل يوم وليلة ختمة فإذا كان شهر رمضان ختم فيه مع ليلة الفطر ويوم الفطر اثنتين وستين ختمة وكان سخيًّا بالمال صبورًا على تعليم العلم”.  

وفي كتاب “آداب الشافعي ومناقبه” لابن أبي حاتم: “كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين مرةً وكان البُويطي أحد أصحابه يختم القرآن في كل يومٍ مرةً”. وجاء في كتاب “الوافي بالوفيات” لصلاح الدين الصفدي في ترجمة أبي نصرٍ البَندَنِيجي الشافعي: “كان يقرأ في كل أسبوع ستة آلاف مرة قل هو الله أحد ويعتمر في رمضان ثلاثين عُمرةً وهو ضريرٌ يُؤخذ بيده”. وفيه في ترجمة القاضي أبي غانم ابن أبي الفضل ابن العديم: “وكان يكتب إذا اعتكف (أي في العشر الأواخر) مصحفًا أو مصحفين”وفي كتاب “الإحياء” للغزالي أنه قيل للأحنف بن قيس: إنك شيخٌ كبيرٌ وإن الصيام يُضعفك. فقال: “إني أُعدُّه لسفرٍ طويل والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه”.

قلت: قد كان هذا من هؤلاء الأعلام مع ما كانوا عليه من الانصراف للعلم والاشتغال به والتصنيف والردود على المخالفين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا ما كان هذا حالهم مع كل ما هم فيه من الاشتغال بخدمة الدين وبذل النفع للأمة فماذا ينبغي أن يكون حالك؟ أراضٍ أنت عن نفسك أم تُراك في تقصيرٍ بعيدٍ؟ فإن قلتَ: أولئك رجالٌ بارك الله لهم في أوقاتهمقلنا: أقبِلْ على تقوى الله فيبارك الله لك ولا تكن أسير الشيطان والنفس الأمَّارة بالسوء لا سيما وأن زمان رمضان يساعد على التوبة والإنابة، كيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة وغُلِّقت أبواب النار وصُفِّدت الشياطين” رواه مسلم عن أبي هريرة. ومعناه محتملٌ للحقيقة فتفتَّح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتُصفَّد كبار الشياطين فيمتنعوا من إيذاء المؤمنين،ويحتمل المجاز فيكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن إغواء الشياطين يقل ليكونوا كالمصفدين، ذكر المعنيين النووي في “شرح صحيح مسلم”.

والحمد لله أولًا وآخرًا.

مجلة الشراع