مساحة حرة: بعض أوجه التلاقي الإسلامي نحو المسيحية/ الشيخ محمد النقري
101
الشراع 7 نيسان 2023
من هناء العيش وأغناه رغم مصاعبه وتحدياته التواجد في مجتمعات متعددة الثقافات والأديان، خاصة إذا كانت هناك مشتركات ايمانية تجتمع بهذه الأديان. ففي مجتمع متعدد الأديان مثل لبنان شهدنا في هذه السنة تسلم وتسليم بين شعيرتين أقرهما الإسلام والمسيحية على السواء وهما شعيرة الصيام ، فما إن ابتدأ الصوم المسيحي حتى تبعه الصيام الإسلامي. وما إن حل يوم الخامس والعشرين من شهر مارس آذار حتى اجتمع المسلمون والمسيحيون في عيد وطني مريمي مشترك، تحول في غضون سنوات قليلة منذ إقراره في سنة 2010 الى ثقافة عالمية تذخر بها المكتبات والوثائق والمقالات والأبحاث والاطروحات العلمية لتجعل منه ركيزة أساسية في التقارب الإسلامي المسيحي. وما إن مر عيد الشعانين حتى أعادتنا ذكراه الى اجتماع النبي مع نصارى نجران في مسجده النبوي، فمما أورده ابن هشام في سيرته أن الأحبار المسيحيين الوافدين الى الإجتماعاستأذنوا النبي للخروج من المسجد لإقامة قداسهم الديني الذي ذكره البعض بأنه كان في مناسبة الشعنينة، فطلب منهم النبي ان يصلوا في مسجده، فكان المسلمون يقيمون صلاتهم حين دخل وقتها في ركن من المسجد، والمسيحيون يقيمون صلاتهم في ركن آخر من المسجد.
كما يتلاقى المسلمون والمسيحيون منذ مئات السنين في آخر يوم أربعاء من شهر أبريل نيسان للإحتفال معاً في مناسبة يطلق عليها رابعة أيوب. هذه المناسبة تجد ركيزتها في الكتاب المقدس الذي ذكرالمرض الذي ابتلي به النبي أيوب : (فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ”). واما فيما ذكره القرآن الكريم فإن أيوب نال الشفاء بواسطة الماء، وفي تفسير ابن كثير بأن الله أنبع عينًا وأمره أن يغتسل فيها فأذهبَ جميع ما في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينًا أخرى، وأمره أن يشرب منها فأذهب جميع ما في بطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهرًا وباطنًا (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ* ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ*وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ)
هذه الحادثة خلدها أهالي بيروت دون غيرهم من باقي مدن العالم بطبق من اطباق الحلوى تسمى “المفتقة” والتي تقدم بمناسبة رابعة أيوب. فلقد اعتاد أهل العاصمة اللبنانية إعداد طبق المفتقة خلال الاحتفال بـ«أربعاء أيوب» من كل عام. ومع أن هذه الاحتفالات قد توقفت منذ الستينات، فإن البعض ما زال يواظب على إحيائها كتقليد جميل.
من طقوس هذه الاحتفالات التي كانت تقام على شاطئ البحر في بيروت، وتحديدا في منطقتي رملة البيضا والأوزاعي البعيدة عن السكن في حينهاآنذاك كان البيروتيون ينصبون الخيام ويمضون يومهم في ظلها احتفالا بشفاء النبي أيوب الذي يحكى أن حكماء ذلك الزمن نصحوه بطمر نفسه في الرمال. أما الأطفال الصغار فكانوا يحتفلون على طريقتهم الخاصة بشفاء أيوب، حين كانوا يرافقون أهلهم إلى الشاطئ فيلجأونإلى صنع طائرات من ورق ويلهون بها على الرمال.
يغلب على المفتقة طعم القرقم او العقدة الصفراء والتي هي المكون الأساسي لهذه الوجبة. وأما سبب ارتباطها بالمناسبة فيقول من يجيد طبخها بأنها تحتاج إلى صبر وجلادة باعتبار المدة الطويلة لطهيها، فكما صبر أيوب على مرضه كذلك المفتقة تحتاج إلى وقت طويل لطهيها. فعلى عكس المقولة السائدة «عندما يكثر عدد الطباخين تحترق الطبخة»، فإن هذا النوع من الحلويات لا يقدم إلا باجتماع من تيسّر من شباب الحي والجيران للمساعدة في عملية التحريك، التي لا بد أن تشرف عليها إحدى كبيرات السن اللواتي احترفن صنعها، ذلك أن طهيها يستوجب التحريك الدائم، لذا يتناوب أفراد العائلة على هذه المهمة. وأحيانا تتم الاستعانة بالجيران الذين يواظبون على تحريك الخليط على النار حتى «يفقس السارج» الذي ينشأ عن فقاقيع صفراء تظهر على سطح الوعاء عندما تنضج الطبخة.
قد أميل إلى شرح آخر يتعلق بفائدة المفتقة لما تحتويه من القرقم والذي يعتبر مضاد قوي للالتهابات ومزيل السموم ولأمراض الكبد. فهل تداوى أيوب بالقرقم وجاء الماء تتويجا لهذا الشفاء؟ وتخليدا لهذا الإبراء تناقلت الأجيال عبر الأجيال هذا الطبق من حلوى القرقم. فرضية من الفرضيات التي تصلح أن ترويها الأجيال القادمة دون الوقوف على حقيقتها !!!
وأما في الجانب الديني فيعتقد المسلمون بأن القرآن الكريم منح السيد المسيح عليه السلام وأمه البتول تبجيلاً وتعظيماً يندر أن يذكرهما أي كتاب آخر، إذ أنه يحتوي على ما يأتي :
البتول مريم عليها السلام ونسبها :
• يحتوي القرآن الكريم على سورة خاصة بنسب العذراء مريم وهي ثاني أطول سورة في القرآن :]آل عمران[، وهنا أحب أن أوضح الإلتباس الذي وقع فيه كثير من الناقدين الذين شككوا بأن القرآن أخطأ بنسب مريم من آل عمران وأنه ذكر بأنها أخت هرون أي مريم أخت موسى. وبذلك يخلط في نسب مريم ام المسيح مع مريم أخت هارون وموسى وذلك في الآية القرآنية الآتية :{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا(27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} (27،28) سورة مريم. والرد على ذلك من عدة أوجه :منها بأنها قرابة مجازية وهو مألوف في اللغات السامية مثل العربية والعبرية والآرامية : نجد في إنجيل متى 9 : 27 “و فيما يسوع مجتاز من هناك تبعه اعميان يصرخان و يقولان ارحمنا يا ابن داوود” سؤال هل يسوع ابن داود ؟ الأجابة طبعا لا. داوود مات من قبل ميلاد يسوع بعشرات السنين ولكن لماذا نادى هؤلاء يسوع بقول” يا ابن داود ” ولماذا لم ينكر عليهم قولهم هذا ؟ لا يقصد من هذا النداء في اللغة العربية واللغة العبرية هو كون داود هو أب يسوع ولكن هذا من باب التشريف وكون الشخص المنسوب له الأنسان هو شخص ذو مكانة بين قومه فـداود النبي كان ذو مكانة بين قومه ونجد نفس الشئ في الإسلام. فرسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم قال مرة ( أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب ) مع أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ولكنه ذكر الجد دون الأب.إذن فالأخوة المذكورة في الآية هي أخوة مجازية ولم تكن حقيقية بحال من الأحوال، فقد روى عن الحسين بن على عليهما السلام أنه كان في لسانه رثة (لدغة )فقال الرسول ورثها من عمه موسى فهل يأتي أحد ويقول لنا أن موسى هو عم الحسين؟ بالطبع لا، أعظم دليل على أن القرآن لا يعني مريم أخت موسى هو: أن الوصف القرآني:”يا أخت هارون” ولم يقل :يا أخت موسىفلو كانت أختهما لذكر القرآن الأعظم منهما و هو موسى.
إضافة إلى نسب مريم التي اصطفاها الله من آل عمران أو عمرام كما ذكر في العهد القديم :
• أفرد القرآن الكريم سورة كاملة بإسم والدة المسيح عليه السلام :] مريم [
• ورد اسم مريم في القرآن في سبع وثلاثين موضعاً ،وصفت بأسمى معاني التقدير والتبجيل :
1. أحد عشر مرة منفصلة أي باسمها غير مضاف إلى اسم آخر
2. مرتان مسبوقتان بكلمة إبن أي ابن مريم
3. ثلاث مرات مسبوقين بكلمة المسيح عيسى أي المسيح عيسى ابن مريم
4. خمس مرات مسبوقين بكلمة المسيح فقط أي المسيح ابن مريم
5. ستة عشر مرة مسبوقين بكلمة عيسى فقط أي عيسى ابن مريم
6. كما دلت عليها بعض الآيات بالإشارة دون ذكر اسمها مثل ” والتي أحصنت فرجها” أو بأنها أم المسيح ووصفها بالصديقة وذلك في الآية : “وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ “
المسيح عليه السلام :تناول القرآن قصة المسيح منذ لحظة ولادته إلى نهاية وجوده المتمثل برفعه حياً بجسده وروحه إلى السماء وعودته الأرض في آخر الزمان.فالمسيح عند المسلمين هو :
1. كلمة الله أي الأمر الإلهي المتمثل في لفظة “كن” من غير واسطة أب ملقح أو بيولوجي
2. وهو من روح الله وإضافة الروح إلى الله هي للتشريف والتكريم كما يقال بيت الله وهي ليست خاصة بالمسيح فقد أطلقت على آدم، جاء في القرآن الكريم : ” فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين”، وسمي الوحي المنزل على الإنبياء بالروح : ” يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ ” ، وسمي التأييد من الله ونصره للمؤمنين بالروح : أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ” ، وسمي جبريل أمين الوحي بمثل ذلك : ” فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” .
3. يصف القرآن المسيح بأنه بار بوالدته ، ليس بجبار ولا بشقي وأنه لم يسفه والدته بتاتاً
4. يعتبر المسيح قدوة صالحة وأنموذج رائع للإيمان والعبادة والإخلاص لله تعالى
5. أيد الله المسيح بالمعجزات الآتية : إبراء الأكمه ، إبراء الأبرص ، إحياء الموتى ، نزول المائدة من السماء ، تصوير الطين والنفخ فيه فيصبح حياً بإذن الله ، الإخبار ببعض المغيبات ، الكلام في المهد.
الإنجيل :ذكر الإنجيل (وهو وحي إلهي) في القرآن الكريم في إثني عشر موضعاً حيث وصفه:
1. بأن الإنجيل هو الهدى
2. الإنجيل هو النور
3. الإنجيل هو المصدق للتوراة
4. الإنجيل هو الموعظة للمتقين
الحواريون :ذكر الحواريون في خمسة مواضع ، حيث وصفوا :
هذا غيض من فيض من أوجه التقارب الإسلامي المسيحي الذي لا ينضب، وما وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب الا نبراساً جديداً يضيء الطريق الى الذين يسعون الى غد مشرق يملؤه الأمل لهذا الجيل وللأجيال القادمة بإرادة العيش معاً في جو من إدراك النعمة الإلهية الكبرى التي جعلت من الخلق جميعاً أخوة( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)