من رسائل بن غوريون الى زوجته/ عبد الهادي محيسن… كاتب وباحث/الشراع
الشراع 3 نيسان 2023
لندن 14 يونيو 1936 ، كانت مقابلتي للويد جورج (رئيس وزراء بريطاني سابق ) اليوم وحديثي معه من أهم المحادثات والمقابلات التي أجريتها ، تناولت الغداء عند وايزمان اليوم وتوجهنا ثلاثتنا حاييم وفيرا وأنا الى “تشورت” مقر لويد جورج الريفي استغرقت الرحلة بالسيارة ساعة ونصف وأدركت أن المناظر الجميلة لا تقتصر فقط على سويسرا وأن في هذا البلد المكسو بالضباب أيضا جمالا ، كانت الحقول خضراء تنبت فيها الأشجار الكثيفة ، والطرقات ممتازة مكتظة بالعربات – وكأن لندن بأجمعها تخرج الى الريف يوم الأحد .
عندما وصلنا تشورت وجدنا لويد جورج جالسا على مقعد أمام منزله ، وهذه أول مرة أراه فيها – وهو حقيقة شبيه تماما بالصورة التي نراها في عربات الأوتوبيس في لندن ، وفي إعلانات صحيفة ” الدايلي تلغراف ” التي تقوم بنشر مذكرات لويد جورج شعره ناصع البياض ولكن وجهه مليء بالحيوية ، وعينان ثابتان براقتان ، كانت معه زوجته وسكرتيره الخاص وإنبته .
استقبلنا لويد جورج بحرارة وقادنا فورا الى الداخل لتناول الشاي ، وسألنا عن موقف وزير المستعمرات الجديد “أورمزبي غور” فرد وايزمان أنه لم يقابله بعد تعيينه ولكنه يعرف أنه كان متعاطفا على الدوام فرد عليه لويد جورج على الفور قائلا : “ أنتم لستم بحاجة الى التعاطف – بل الى الشجاعة والعمل والقوة الدافقة ” .
سألنا عن “واشوب“ المندوب السامي وعن موظفي الإنتداب ، فأجاب وايزمان بأن الموظفين كالمعتاد يظهرون العداء أو عدم الرغبة في مساعدتنا ، وأشار بالذات الى قاضي القضاة “ماك دونل” ( قاضي المحكمة العليا في فلسطين ) فعلق لويد جورج قائلا : “إنه كاثوليكي والكاثوليك متعصبون ضد السامية … ألا يدركون أن الأمر يصبح أكثر سوءا إذا ما بقيت فلسطين بيد المسلمين ؟” .
استفسر لويد جورج عن الوضع في فلسطين ، فأجبناه ، قال : إن العرب يخشون أن تصبح فلسطين دولة عبرية ، حسنا فإن فلسطين ستصبح حتما دولة عبرية ” ، وأضاف بقوة “وسوف تصبح دولة عبرية ” مؤكدا بصفة خاصة عبارة “سوف تصبح حتما” ، أراد أن يعرف عدد اليهود في فلسطين اليوم وفي الفترة التي تلت الحرب العالمية مباشرة .
أخبره وايزمان بأن عددهم يبلغ اليوم 400,000 أو 500,000 ” ماهي سبعة عشر عاما من التاريخ ؟ هي كيوم واحد ” ، قال لويد جورج ” فأربعماية ألف نسمة هي خطوة هامة الى الأمام ” ، أجبناه بأن العرب أيضا قد تزايدوا خلال السنوات الماضية وبأكثر من تزايدهم في أي بلد عربي آخر من خمسمائة وخمسون أو ستمائة ألف الى تسعمائة ألف .
سأل عن التزايد الطبيعي بين العرب واليهود ، فأعطيته الأرقام التالية ثلاثون ألف عربي وسبعة أو ثمانية آلاف يهودي ، فأجاب : “إذا فهناك ضرورة لهجرة أكبر إذا أردنا الحفاظ على توازن زيادة السكان ، ثم استطرد متحدثا عن المناقشة في البرلمان يوم الجمعة المقبل فقال : “إنكم بحاجة الى شخصية هامة من بين أنصار الحكومة مثل ونستون تشرشل أومن الأفضل أوستن تشامبرلن ليشرح قضيتكم ” .
فعلقت مدام وايزمان بأننا يجب أن نكون حذرين من أوستن تشامبرلن ، لأنه قد صرّح في إجتماع له معنا بأنه يجب أن لا تؤدي الهجرة اليهودية الى أغلبية يهودية ، فرد لويد جورج : “هذا هراء” ! ، ثم سأله ويزمان عما إذا كان سيشترك في المناقشة ، فرد لويد جورج في بادئ الأمر أنه ليس ملما بالوضع الراهن ، فرد وايزمان بأنه سوف يمده بالمعلومات الضرورية ، فقال لويد جورج ” حسنا سوف أحضر الى العاصمة لنتباحث في الأمر ” .
ثم تحدث طويلا عن ضرورة تسليح اليهود في تل أبيب والمستعمرات ، حتى يكونوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم ، كما أنه يجب إرسال المزيد من الجنود البريطانيين الى فلسطين ، ثم تحدث عن الوضع بين سوريا ومصر وغيرها من البلاد العربية وقال ويزمان للويد جورج ما كان قد قاله له أستاذ فرنسي في باريس وهو أنه في حال استسلام الحكومة البريطانية للعرب في فلسطين سوف تحدث ثورة في المستعمرات الفرنسية .
كما تحدثنا عن الزراعة وعن الإستيلاء على الأرض وعن الإنجيل ، فسأل لويد جورج عن وضع اللغة العبرية ، فسُر عندما أبلغته أننا نتحدث بها ، وقال بإعجاب : “إن إحياء اللغة العبرية لمن أعظم الأمور ، ولا يجب أن يتحدث اليهود في فلسطين إلا بالعبرية وليس باللغات التي حملوها من الشتات ” .
دام حديثنا لمدة ساعة ونصف وحتى السادسة مساء ، وطلب منا لويد جورج توقيع كتاب زواره لدى مغادرتنا ، وعندما أخبرته بأني عملت في الأرض (في الزراعة) قال : لقد كان كلانا فلاحا في يوم ما ، وهو فخور بمزرعته في “تشورت” ويزرع البطاطا والفراولة التي تباع بإسم لويد جورج ” .
دعيت في المساء الى العشاء في منزل دي روتشيلد ، هو أيضا يستعد للتحدث في مجلس العموم يوم الجمعة ، وقد طلب مني أن أحضر له خطابه ، وهوسعيد جدا بنشاطنا السياسي في القدس ولكنه غاضب على وايزمان لأنه لا يشركه فيما يجري .
-
عبد الهادي محيسن … كاتب وباحث .