لم يُهدّئ إستقلال لبنان الناجز عام 1943 من مخاوف أميل إدة سيما وأن الحماية الفرنسية لم تعد محققة مع جلاء القوات الفرنسية عام 1946 ، وعندما أخفقت مساعيه لفصل جبل عامل عن لبنان الكبير أوفد تكراراً ، نجله ريمون الى بلدة ريهوفوت القريبة من تل أبيب بغية إقناع حاييم وايزمن رئيس الوكالة اليهودية لضم تلك المنطقة ذات الأكثرية الشيعية وكذلك صيدا عاصمة لبنان الجنوبي السنية الى أحضان الدولة اليهودية المقبلة .

أجابه الزعيم اليهودي : ” لقد علمني جدي ألا أقبل أي هدية ملفوفة على الإطلاق ، مشيرا الى الفئات الإسلامية التي تسكن تلك المنطقة ” … ومهما قال وايزمن عن الجنوب فإنه لا شك قد هلل قبل سنوات للفرصة التي لم يكن يتوقعها وطالما عارك لأجلها منذ 1919 بضم الجنوب اللبناني حتى شمال نهر الليطاني الى شمال فلسطين .

وفي مستهل هذا القرن أبدت النخب اللبنانية باستثناء بعض المفكرين ورجال الدين المسيحيين قلة إكتراث تجاه جبل عامل ، فالخريطة التي رفعها في شباط 1919 أول وفد لبناني الى مؤتمر السلام المنعقد في باريس أشارت الى ضفة الليطاني الجنوبية كحد جنوبي للبنان واستثنت منه مدينة صور الواقعة على البحر المتوسط وبحيرة الحولة الى الشرق لكنها ضمت إليه بلدة مرجعيون المسيحية وجبل حرمون تبعا للخريطة التي وضعتها قيادة أركان الحملة العسكرية التي أرسلها نابليون الثالث عام 1860 لإغاثة المسيحيين .

وعلينا أن ننتظر خريف عام 1919 حين تقدم البطريرك الماروني الحويك يؤيده رئيس الحكومة الفرنسية جورج كليمنصو بخريطة تمتد الى الجنوب وتشمل هذه المرة صور والحولة وتتسع حتى الناقورة وهي البوابة الحالية للحدود الجنوبية بين لبنان وإسرائيل ، إلا أنه بمقتضى أحكام معاهدة سايكس بيكو لعام 1916 نالت فرنسا منطقة الجليل الأعلى كلها حتى عكا .

لكن إنكلترا عمدت في نهاية الحرب الى تعديل الخريطة من جانب واحد بشكل يتيح لها ضم المستوطنات اليهودية في قطاع صفد الى فلسطين ، وقد رضخت فرنسا للأمر الواقع ، لقد لفتت تلك المنطقة أنظار الرواد الصهاينة باكرا نظرا لكثرة مستنقعاتها ولإمكانية توافرالمياه فيها ، وعندما أنشأالبارون الفرنسي إدمون دي روتشيلد مستوطنة المطلة لم يكن يخطر على باله دون شك أن تلك المنطقة ستكون محط أنظار عند رسم الحدود