إتفاقية سايكس بيكو وجنوب لبنان وخنصر الجليل/ عبد الهادي محيسن…/ الشراع
68
الشراع 26 اذار 2023
لم يُهدّئ إستقلال لبنان الناجز عام 1943 من مخاوف أميل إدة سيما وأن الحماية الفرنسية لم تعد محققة مع جلاء القوات الفرنسية عام 1946 ، وعندما أخفقت مساعيه لفصل جبل عامل عن لبنان الكبير أوفد تكراراً ، نجله ريمون الى بلدة ريهوفوت القريبة من تل أبيب بغية إقناع حاييم وايزمن رئيس الوكالة اليهودية لضم تلك المنطقة ذات الأكثرية الشيعية وكذلك صيدا عاصمة لبنان الجنوبي السنية الى أحضان الدولة اليهودية المقبلة .
أجابه الزعيم اليهودي : ” لقد علمني جدي ألا أقبل أي هدية ملفوفة على الإطلاق ، مشيرا الى الفئات الإسلامية التي تسكن تلك المنطقة ” … ومهما قال وايزمن عن الجنوب فإنه لا شك قد هلل قبل سنوات للفرصة التي لم يكن يتوقعها وطالما عارك لأجلها منذ 1919 بضم الجنوب اللبناني حتى شمال نهر الليطاني الى شمال فلسطين .
وفي مستهل هذا القرن أبدت النخب اللبنانية باستثناء بعض المفكرين ورجال الدين المسيحيين قلة إكتراث تجاه جبل عامل ، فالخريطة التي رفعها في شباط 1919 أول وفد لبناني الى مؤتمر السلام المنعقد في باريس أشارت الى ضفة الليطاني الجنوبية كحد جنوبي للبنان واستثنت منه مدينة صور الواقعة على البحر المتوسط وبحيرة الحولة الى الشرق لكنها ضمت إليه بلدة مرجعيون المسيحية وجبل حرمون تبعا للخريطة التي وضعتها قيادة أركان الحملة العسكرية التي أرسلها نابليون الثالث عام 1860 لإغاثة المسيحيين .
وعلينا أن ننتظر خريف عام 1919 حين تقدم البطريرك الماروني الحويك يؤيده رئيس الحكومة الفرنسية جورج كليمنصو بخريطة تمتد الى الجنوب وتشمل هذه المرة صور والحولة وتتسع حتى الناقورة وهي البوابة الحالية للحدود الجنوبية بين لبنان وإسرائيل ، إلا أنه بمقتضى أحكام معاهدة سايكس بيكو لعام 1916 نالت فرنسا منطقة الجليل الأعلى كلها حتى عكا .
لكن إنكلترا عمدت في نهاية الحرب الى تعديل الخريطة من جانب واحد بشكل يتيح لها ضم المستوطنات اليهودية في قطاع صفد الى فلسطين ، وقد رضخت فرنسا للأمر الواقع ، لقد لفتت تلك المنطقة أنظار الرواد الصهاينة باكرا نظرا لكثرة مستنقعاتها ولإمكانية توافرالمياه فيها ، وعندما أنشأالبارون الفرنسي إدمون دي روتشيلد مستوطنة المطلة لم يكن يخطر على باله دون شك أن تلك المنطقة ستكون محط أنظار عند رسم الحدود
فقد أعلن وايزمن في خطاب ألقاه عام 1921 ” إن هذه المستوطنة قد كلفت غاليا لكن بفضلها تم توسيع الحدود ” وإذا كانت فرنسا قد تخلت لفلسطين الواقعة تحت الإنتداب البريطاني عما يدعى بخنصر الجليل فلأنها كقوة محتلة قد تحملت تبعة مصرع اليهودي يوسف ترومبلدور هو وسبعة من رفاقه على يد جماعة من العرب .
وعندما حقق المستوطنون اليهود النجاح على صعيد ضم الأراضي إنطلقوا في حملة منظمة لتملك الأراضي في الجنوب اللبناني ، وقدبلغت العملية معدلات دفعت بالمفوض السامي الفرنسي ماكسيم ويغان تحت ضغط السلطات اللبنانية التي أصبحت تؤيد الإبقاء على لبنانية الجنوب لإتخاذ مقررات تمنع الأجانب من شراء العقارات فيها .
وإذا كان وايزمن قد تخلى نهائيا خلال الأربعينات عن إدعاءاته السابقة في الجنوب اللبناني ، فإن ولي عهده دافيد بن غوريون لم يكف عنها وقد ذكر كاتب سيرته النائب العمالي ميشال يارزوهار أن بن غورين كان قد درس هذا المشروع منذ ولادة إسرائيل على النحو التالي : ” سوف نجتاح لبنان حتى نهر الليطاني ونضم الجنوب وننشئ دولة مارونية في الشمال تتولى توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل .
أما المناطق غير المسيحية فتلحق بسوريا أو يصار الى ترتيبات أخرى لها ” ولكن كيف يمكن ابتلاع السكان الشيعة في الجنوب مع المحافظة على الطابع اليهودي لإسرائيل ؟ ” وإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد وافق عام 1949 على إجلاء جيوشه عن 14 قرية لبنانية جرى إحتلالها خلال الحرب فلأنه ظن أن بيروت مستعدة لتوقيع معاهدة سلام معه ولإشراكه في إستثمار مياه الأنهر في الجنوب اللبناني .
ففي العام 1943 لحظت دراسة أعدتها شركة لبنانية تخص ألفرد نقاش مع مهندسين يهود تابعين لتعاونية المياه في فلسطين إجراء تبادل لفائض المياه اللبنانية التي تذهب الى الدولة العبرية التي تنتج بالمقابل الطاقة الكهربائية للبنان ، وقد تلت ذلك دراسات كثيرة ومنها مشروع جونستون الذي تبنته الولايات المتحدة عام 1953 لكن هذا المشروع أحبط وسقط .
تحتاج فلسطين في تطورها الى كمية ضخمة من المياه بيد أن أهم الموارد المائية التي تقع في الجنوب اللبناني وفي حوض نهر الأردن وعلى أقدام جبل حرمون وفي بحيرة الحولة حيث تصب الأنهر الرئيسية استولت عليها إسرائيل ، فنهر الدان وهو الرافد الرئيسي لنهر الأردن يصب فيه 260 مليون متر مكعب من المياه سنويا .
وفي نهر بانياس 160 مليون متر مكعب أما الحاصباني والوزاني وكلاهما نهران لبنانيان فيصبان 160 مليون متر مكعب في بحيرة طبريا في إسرائيل أما الليطاني فتقدر الكمية التي يهدرها سنويا في البحر المتوسط بحوالي 300 مليون متر مكعب سنويا ، فمن أصل 600 مليون متر مكعب من المياه سنويا لا يستثمر لبنانسوى 160 مليون اي ما نسبته 27% فقط .