الإسراء والمعراج والحق الإسلامي/ بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

الشراع 16 شباط 2023

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

 

قال الله تعالى في القرآن الكريم:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.

سورة الإسراء.

من فيوضات سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم تنهل ألبابُ الصادقين ومن بحور هذاالهدي المحمدي ترتوي أفئدةُ المتقين، فما زال سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم إمامنا وقائدنا كل أوانٍ وحين. وإن كل صاحب عقلٍ سليم  بصيرٍ بالحقائق يعلم علم اليقين أن الله تعالى قد أيَّد أنبياءه عليهم السلام بمعجزاتٍ عظيماتٍ كانت دليلًا باهرًاوضياءً ساطعًا على صدقهم فيما جاؤا يدعون الناس إليه، فما من نبيٍ إلا وقد أيَّده الله بما شاء من المعجزات ونصب البرهان على حقيَّة دعوته ونبوته إلا أن نبينا محمدًاصلى الله عليه وسلم كان أكثر الأنبياء معجزاتٍ وأوفرهم حججًا دامغاتٍ. ويطول الكلام جدًا لو استرسلنا في ذكر معجزاته الجليلة صلى الله عليه وسلم، وحيث إننا بين يدي مناسبة الإسراء والمعراج وهي من أكبر معجزات النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم فجديرٌ بنا أن نتناول بعض معاني هذه المعجزة الكبرى فنقول: ليُعلم أولًا أن معجزة الإسراء والمعراج قد كانت لنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بجسده وروحه فكان الإسراء من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في فلسطين الصابرة حيث جمع الله فيه الأنبياء الكرام عليهم السلام فصلى بهم نبينا صلى الله عليه وسلم إمامًا، ثم كان العروج به بعد ذلك إلى السماوات العلا في ليلة واحدة، فأمسى صلى الله عليه وسلم في السماء وأصبح في الأرض، وراح يُحدّث الناسَ بما رأى من عجائب مخلوقات الله في رحلته الميمونة التي كانت تشريفًا وتكريمًا له بإطلاعه على بعض آياتالله فأكرمه ربه بما شاء من الكرامةكما جاء ذلك واضحًا في قوله تعالى:{لنريه من ءاياتنا} سورة الإسراء، وقوله :{لقد رأى من ءايات ربه الكبرى} سورة النجم.  ولم يكن الغرض منها وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكانٍ ينتهي فيه وجود الله تعالى فإن الله موجودٌ بلا مكان.

ونحن في هذه الأيام الشديدة وبعد مُضي مئات السنين والسنين وحيث تستحضرالأمة الإسلامية ذكرى معجزة الإسراء والمعراج حري بنا أن نستخلص من هذه المعجزة ومن مجريات ما وقع تلك الليلة دروسًا في أهمية الثبات على الحق واجتناب الباطل مهما زخرفه أهله.

ولا ينبغي أن يتخذ استحضار ذكرى الإسراء والمعراج وغيرها من المعجزات الربَّانية التي أبهرت العقل وأخضعته لمفهوم  التسليم لله  القادر على كل شىء طابع الاحتفال بها فحسب أو الاحتفاظ بها في مكنون الصدور فقط من غير التمعُّن في المعاني المستفادة من هذه المعجزة الغرَّاء وإنه لمن الأهمية بمكانٍ عظيم الاعتبار والتبصر في كل الجوانب الخاصة والعامة المتعلقة في دلائلها وعبرها ومقاصدها.

وإن قومًا لا يعتبرون بما جرى في تاريخ أمتهم من معجزات لنبيهم ولا يتبصَّرون في الذكرى غير رَسم الذكرى هم بعيدون عن متطلبات النهوض والأخذ بأسباب القوة، وهذا ما لا نرجوه لأمة صاحب الذكرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ولكننا نسأل والألم يفوق الأمل: ماذا قدمنا وماذا أنجزنا وهل كنا على مستوى المسئولية الملقاة على عاتقنا؟

فلسطين لنا

إن الإسراء بالنبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ثم العروج به من أرض فلسطين إلى السموات السبع الطباق لهو دليل قاطع على أحقية المسلمين بالقدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك بالأنبياء الذين حلَّوا فيه، وفي ذلك دليل أيضا على ما لهذا البيت المُقَدَّس المبارك من مكانة رفيعة وشأنٍ عظيمٍ عند الله سبحانه وتعالى. وإن هذه المكانة التي خُصّ بها هذا المسجد الذي ما زالت أنظار المؤمنين تشخص حنينًا إليه معلومةٌ عند المسلمين ولا تخفى على عوامِّهم فضلًا عن علمائهم،ولكننا نستذكر ذلك في رحاب ذكرى الإسراء والمعراج لتكون الذكرى باعثًا لأبناء الأمة لينفضوا عن كاهلهم غبار الوَهن، ويجمعوا أمرهم على كلمة الحق لتكون بإذن الله تعالى بداية لتحرير القدس الشريف من قبضة الصهاينة الغاصبين.

فالأقصى أقصانا والقدس عاصمتنا وقاصمتهم، ولم تكن فلسطين يومًا ملكًا تاريخيًا ولا قانونيًا بل ولن تكون ملكًا مستقبليًا إن شاء الله تعالى لأولئك اليهود شُذَّاذ الآفاق الذين كانوا وما زالوا يعيثون في الأرض فسادًا وبغيًا وظلما، ففلسطين منتهى الإسراء ومبدأ المعراج، فلسطين الأرض التي تشرفت بالأنبياء، فلسطين أرض الصمود والكرامة، فلسطين أرض الإباء والبطولة.

فلسطين الأرض التي مشت عليها قدم سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وما زال الصحابة يرومون فتحها حتى كللوا أسواراها بالنصر تحت راية الفاروق العظيم عمر بن الخطاب، وحين راح أعداء الأمة يحاولون طمس هذا المجد أستعاده من بين براثنهم السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، وما زالت فلسطين عنوان المجد وحكاية البطولات التي سطرها التاريخ بأحرفٍ من نورٍ ما زالت مشرقةً رغم تراكم السنين. وكل ذلك لا شك ببركة هدي سيد الكونين رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا المقام نقول إن سيدنا محمد بن عبد الله العربي الهاشمي هو أعظم مخلوقات الله وأجلُّ الورى قدرًا ورتبةً وما الإسراء والمعراج إلا آيةً من بحر آيات هذا النبي المعظَّم صلى الله عليه وسلم، فهو بحقٍ أعظم قائدٍ عرفه التاريخ ولهو أولى من ينبغي أن يُطاع ويُتَّبع ويُقتدى به، فإن في اتباعه الفوز والفلاح في الدارين. وإزاء ذلك فليعلم القاصي والداني والقريب والبعيد: أننا إذا ما اشتد الظلام فالقائد محمد، وإذا ما باعدت بيننا المسافاتُ فحب محمدٍ يجمعنا، وإذا ما ضاقت بنا الأرض فحياتنا حبُّ محمد، ولسنا ننسى أو نساوم على شبرٍ من أرض معراج نبينا صلى الله عليه وسلم

يا صاحب المعراج فوق المنتهى                                      لك وحدك المعراج والإسراء

وسريت مسرى البدر يسطع مشرقًا                              في الكائنات فتنجلي الظلماء

والمسجد الأقصى عليه من التقى                                حللٌ ومن نور الهدى لألآء

أعطيتَ فضلًا لا يُتاح لمرسلٍ                                   والله يُعطي الفضلَ كما يشاء

والحمد لله أولًا وآخرًا.

 

مجلة الشراع