“ربط نزاع” داخلي يعمل له جنبلاط لتدارك السقوط في الاسوأ -كتب المحرر السياسي لـ”الشراع”

الشراع 30 كانون ثاني 2023

العودة الى الشارع عبر التظاهرات الاحتجاجية لم تكن بحجم آمال منظميها، رغم كل ما قيل عن ذلك، الا انها لا تعني سوى انها مجرد بداية لسياق جديد قد يتحول الى كرة ثلج متدحرجة ، بسبب العجز السياسي والرسمي عن معالجة الاوضاع , وانكشاف عجز الطبقة السياسية عن القيام في هذه المرحلة باي تدبير او خطوة لاخراج البلاد عموماً والدولة ومؤسساتها من حالة التفكك التي تعيشها وهي  تشبه حالة الموت السريري وإن كانت هذه الحالة غير معلنة حتى الآنعلى الاقل.

الازمات لا تحصى، وبدلاً من التخفيف منها او الحد من خسائرها،فانها تزداد تفاقماً كما بات مؤكداً، بفعل تفاقم الانقسامات والصراعات السياسية وذهاب البعض في لبنان الى طرح بدائل اقل ما يقال عنها انها ذات طابع انشطاري حتى لا نستخدم مصطلح التقسيم . وما عدا السجالات ورمي كل طرف اتهاماته على الاخرين في غياب اي خطوة باتجاه   ترتيب الصف الداخلي ولو بالحد الأدنى ،فان البلاد دخلت مرحلة اخطار غير مسبوقة في غياب  ما يمكن ان يضمن اطلاق وسائل عمل لاستقطاب كل الطاقات والامكانات والاطراف من اجل اعلان حالة طوارئ وطنية لمواجهة اخطر ما مرّ ويمر  به لبنان في تاريخه.

واذ يستمر السجال في توزيع المسؤوليات عن المتسبب بما آلت اليه أوضاع البلاد وشؤونها ، خصوصاً مع استعار الخلاف حول ما اذا كان يمكن لحكومة تصريف الاعمال عقد جلسات لها في ظل الشغور الرئاسي ، فان الحكومة مع تعذر اجراء الانتخابات الرئاسية وعدم التوافق على اختيار رئيس يشكل المفتاح الأساسي لاعادة الانتظام الى عمل المؤسسات ، فان تعذر تشكيل حكومة جديدة يزيد من مهام ومسؤوليات الحكومة الميقاتية مهما قيل في شرعيتها الدستورية وعدم جواز توليها مهام السلطة الإجرائية في هذه المرحلة الانتقالية كون البديل عنها هو الفراغ ولاشيء الا الفراغ، علما ان أحدا ًلا يحسد هذه الحكومة او رئيسها او أعضائها على موقعهم في ظل الظروف الصعبة لا بل الدقيقة والخطيرة التي يعيشها لبنان حالياً.

ولذلك فان ما يراد الوصول اليه من قبل خصوم الحكومة هو إدخالها في حالة الموت السريري التي تشهد المؤسسات والقطاعات الحيوية في البلاد مرحلة انحدار متسارع باتجاهها. وهذا الامر لن يؤدي   كما يقول مسؤول كبير سابق  الا الى المزيد من الاوضاع السيئة. وما سيحصل هو ان المعاناة ستكبر والانهيار ستتسع دوائره ليصبح الجوع والبطالة ووقوع النسبة الاكبر من اللبنانيين تحت خط الفقر عناوين لهذه المرحلة المريرة والحرجة والخطيرة.

والرهان على هذا الصعيد ليس على استنباط حل داخلي صعب لا بل مستحيل من خلال الطبقة السياسية الغارقة في الحفاظ على مكتسباتها وتعزيزها , كما تشير التجربة معها على مدار السنوات السابقة ..

الرهان هو على ما قد يستجد من معطيات على مستوى المنطقة وعلى صعيد المسارات  التي يمكن ان تخطوها الصراعات المحتدمة في العالم وفي المنطقة وفي مقدمتها الصراع الاميركي – الإيراني، والذي اتسعت دائرته ليشمل أوروبا ، ما يعني ان لبنان الذي يعيش اليوم مرحلة انتقالية قاتمة في سوادها سيتعرض للمزيد من الهزات خلال الاشهر القليلة المقبلة , بانتظار ما ستؤول اليه الاوضاع في الخارج.

لا مبالغة ابداً في ذلك , لعدة اسباب بعضها يتعلق بطبيعة الكيان اللبناني وبعضها الاخر يتصل بالعلاقة العضوية للاطراف المتحركة فيه مع الخارج القريب او البعيد. ولذلك  فان الاوضاع في لبنان باتت رهينة المعادلات الجديدة والتي ينتظر ولادتها في المنطقة سواء امكن الوصول اليها في أمد قريب او تعذر ذلك قبل انقضاء فترة طويلة .

والاساس في هذه المعادلات هو ما يمكن ان يسفر عن الحرب الكونية الحاصلة حالياً والمتجسدة في الحرب الروسية – الأوكرانية التي تدخل قريباً عامها الثاني دون ان يلوح في الأفق ما يشير الى احتمال حصول تسوية تضمن وقف ما يجري وإرساء معالم نظام دولي جديد.

ومن دون الدخول في تفاصيل سابقة لآوانها على اكثر من مستوى وتحتاج الى توافر معلومات ومعطيات عما يدور في مطابخ القرار في العالم والمنطقة ،فان احتدام لا بل استعار الصراع على الملف الرئاسي  بين الأطراف اللبنانية على تعددها واختلافها جعل الحروب القائمة بينها تستعر وهي حروب من نوع الكباش وعض الأصابع واللعب على حافة الهاوية والذهاب الى أبعد مدى في رفع سقف المواقف و فتح جبهات في كل القطاعات والميادين والمجالات لعل اخطرها ما يشهده القضاء اللبناني حالياً والارتفاع الصاروخي في سعر صرف الدولار الأميركي الخ …

وبعيدأ عن الدخول في دهاليز هذه الامور المعقدة والشائكة , وما يمكن ان يسفر عنها، فان وضع لبنان اليوم وفي الغد القريب بات محكوماً بما يمكن الاقدام عليه في الداخل لايجاد صيغة او آلية تضمن التعايش مع الاوضاع المتأزمة في العالم وبطريقة يتم من خلالها الحد من الخسائر والاضرار ، وتمكين البلاد بمؤسساتها وقطاعاتها وشعبها من مواجهة الاوضاع الصعبة . وكل ذلك يمكن الوصول اليه في حال تم العمل بداية على تجنب فتح جبهات جديدة بين المتصارعين في الداخل كما حصل في اخر الجبهات المحتدمة حالياً وهي القضاء الذي بات اليوم واحداً منها كما ورد انفاً.

وفي ظل غياب التوافق الدولي والاقليمي على حلحلة الامور في لبنان كما يكشف مصدر واسع الاطلاع ل”الشراع” رغم كل ما يقال ويحكى عن لقاء في هذه العاصمة او اتصالات تجريها دولة او مجموعة دول وهو ما ظهر بوضوح من خلال تعذر انتخاب رئيس جديد للجمهورية حتى الان ، فان الاولوية باتت اليوم لادارة الازمة ومعالجة ما يمكن معالجته من مشكلات وما يمكن ان يطرأ من صعوبات لتمرير هذه المرحلة الخطيرة التي تتهدد البلاد بكل ما فيها وبكل من فيها لان الهيكل في حال تهدمه لن يوفر احداً وسيسقط فوق رؤؤس الجميع من دون استثناء. والأهم الآن هو الحفاظ على ما تبقى وعدم السير في ركاب مشروع من هنا او أجندة داخلية او خارجية من هناك.

لهذه الاسباب مجتمعة ، فان لبنان ماض الى الاسوأ , ووصفة العلاج الوحيدة له اليوم هي العمل على تمرير المرحلة الانتقالية الضاغطة والخطيرة كما يقول المسؤول الكبير السابق .

ولعل هذا ما دفع النائب السابق وليد جنبلاط الى التحرك في محاولة منه لتدارك الاسوأ والعمل على عدم الانزلاق بالبلاد والعباد الى حيث لا تحمد عقباه، عبر ما يمكن تسميته ب“ربط نزاع داخلي “، يمكن ان يؤمن انتخاب رئيس للجمهورية.

ربط نزاع داخلي لا يؤدي الى الحل المنشود الا انه يضمن عدم تفجر الاوضاع على كل المستويات وفي كل المجالات والميادين.

فهل ينجح زعيم المختارة في مساعيه ؟

مجلة الشراع