في الزمن انما خارج العمر…/ الدكتور احمد عياش/الشراع
75
الشراع 16 كانون ثاني 2023
لم تنفني دولة ، ولم يطردني حزب،سافرت اختياريا انما تحت وطاة العوز مدفوعاً بالقهر مسترشدا بالأمل.
نسيت فنجان القهوة العربي على حجر ،واهملت تنكة “النيدو”تحت الزيتونة ومضيت.
هنا ،نحن في الزمن انما خارج العمر،فرح الآخرين مصطنع ونكاتهم لا تُضحكني،الجميع منهمكون بأمورهم ،تظنّهم اصدقاء وما هم بأصحاب،يختفون ويتفرقون عند آخر دقيقة في العمل فإذا صادفتهم في الطريق تكتفي بالتحية وتكمل دربك.
في الزمن نعم انما خارج العمر.
إن لم يُشاركك الاحباب البيت الجميل ،والمدينة الرائعة ،والهدوء العام ،والنزهة الريفية ،واللقمة الطيبة والموسيقى ،تتحوّل المشاهد كلها لعبء يوميّ ولتراكم خيبات اضافية.
بعيدا عن السياسة وبعيدا عن حقارة من تسبب ببؤس لبنان،نحن هنا يُسعدنا جدّاً نزع ورقة تاريخ اليوم عن الرزنامة البيولوجية الوهمية في عقولنا ،اقترابا من موعد السفر والعودة.
السفر والعودة،غير صحيح،لست مضطراً ان اكذب بل الهرب الى البدايات الاولى.
الانتماء ليس مزحة والهجرة ليست فكرة نزقية .
كل الذين اعرفهم وجدتهم مدينون للمصارف،يعملون ليسدّوا المتوجبات المالية عليهم وإن سألتهم حكوك عن التقاعد.
والتقيت بالمتقاعدين،ما تقاعد احد الا و وصفة الادوية بيده ،إلا والعصا يتكىء عليها بيده،إلا وحديثه عن لبنان ،يتابع اخبار ناسه ساعة بساعة ويسألك إن كنت على تواصل مع الاقنية اللبنانية المحلية.
ماذا يفعلون هنا طالما لبنان في خاطرهم ،وفي بالهم ،وفي حياتهم اليومية الفرنسية.
كل انواع الخبز الاوروبي لا تلبي طموح جوعهم،يمشون ويمشون ليصلوا حانوتا لسوريين يبيعون موادا غذائية لبنانية ،وخير الطعام ربطة الخبز…
في الزمن انما خارج العمر.
كُنّا قبل البؤس بحالة جيّدة ،وكنّا نحيا افضل مما كان يعيشه الاوروبيون والاميركيون معا.
في الزمن انما خارج العمر،يعملون كل السنة ليحضّروا سفرهم لقضاء شهر العطلة في لبنان.
حديثهم من صيف الى صيف.
السفر جميل لاعمار العشرين وربما الثلاثين ،اما ما بعد الاربعين فإنّها محاولات إقناع عقلية و محاولات تجميل لمَلل ولضَجر ولحنين.
ماذا يريد المرء؟
يكفيه سقف بيت حنون ،و رغيف خبز وحبّات زيتون وسرير ومقعد وكباية شاي ،وان مرض ان يجد طبيبا يداويه.
ماذا يريد المرء؟
كل الذين سيبقون هنا،مصيرهم دار العجزة او العودة في نعش ليُدفن قرب والديه في بلدته البعيدة.
اتريد تذوّق “اللبَني؟
ثلاثون عاما من الغربة مع الفرنسيين غير كافية ان تُنسي لكنة ابن وابنة الخيام عند لفظ “اللبنة” .
اهو ادعاء بالفرح؟
اهو فرح مصطنع بحجة تعليم الاولاد؟
يعلمونهم نعم انما يُضيّعونهم في شوارع باريس و مارسيليا وليون…
مرتاحون غير فرحين ام فرحين غير مرتاحين؟
هذا هو السؤال.
حالهم الذي هربوا منه كحالهم اليوم،تبدّلت الاسماء وانماط العيش انما القلب يحنّ للبيت الاوّل.
في الزمن انما خارج العمر.
فرحين انما غير مرتاحين او مرتاحين غير فرحين؟
في لبنان يبني المواطن بيته في الضيعة ويترك قضبان الحديد عالية ،وظاهرة على السطح بحجة ان ذلك سيسهل على ابنه الصغير بناء بيته ،فلا هو نَعِمَ بجمالية مشهد البيت ،ولا ابنه سيقرر فيما بعد ان يبني بيته فوق بيت اهله..
في الترام جلس او جلست امامي كائن بشعر طويل اشقر وببشرة ناعمة ملفتة للنظر وبقوام رشيق ما استطاعت الثياب تخبئته في يوم عاصف وممطر،ظننت ان من امامي فتاة ثم قلت لا بل هو فتى ،لان طريقة الجلوس على المقعد جلوس ذكر ،خمسة عشر دقيقة في الترام وغادرته وانا لم افهم إن كان الجالس او الجالسة امامي انثى او ذكر.
يبدو ان جيلنا لا يفهم الحداثة،بحاجة لمترجم يومي لمستجدات متلاحقة.
غرب متعب بالهرولة خلف التطوّر المتسارع.
المجتمع الرأسمالي ينتج اضطرابات نفسية كيفما اتفق.
طالما هم متطورون وراقيون ومتحضرون والتعليم والطبابة مجانيان والدولة تؤمن كل الحاجيات، لماذا اعداد المضطربين نفسيّا في ازدياد مخيف.
وهمُ الشرقي ان يأتي الى هنا ،وإن سألت الغربي يخبرك انه يصمد المال ليذهب شرقا هذا الصيف .
الانسان مسكين اينما كان.
في الزمن نعم انما خارج العمر.
هذه هي الغربة.
ملعون وابن حرام وابن زانية مَن تسبب ببؤس لبنان.
اقول كلامي هذا واستغفر الله لي ولكم ولا حول ولا قوة الا بالله العليّ العظيم.
تأخر المئة فارس مسلح ،ملثّم وشجاع…
يتأخرون انما يحضرون حتماً.
في الزمن انما خارج العمر.
فرح مصطنع.
مرتاحون انما غير فرحين او فرحين غير مرتاحين ؟،هذا هو السؤال.
#د_احمد_عياش.