أحداث العام 1958 في لبنان والإتفاق العربي الأميركي على نزع فتيلها/ بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع
104
الشراع 16 كانون ثاني 2023
كميل شمعون بمطلعه الوسيم وشعره الأشهب ومظهره الذي يشابه تماما مظهر الرئيس اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو كانمن دعاة العروبة ولقب بفتى العروبة الأغر … ففي الجامعة الأمريكية في بيروت حيث ولدت فكرة القومية العربية وترعرع دعاتها كان شمعون من الدعاة المتحمسين للوحدة العربية ولمجابهة عربية واحدة ضد المطامع الصهيونية .
ولما استلم كميل شمعون رئاسة الجمهورية اللبنانية لم يطل به الوقت حتى انقلب على من أوصله الى السلطة كما انقلب على العروبة وبات الرئيس شمعون متحررا من فكرة القومية العربية كقضية سياسية مطروحة للتنفيذ وبات ممالئ للغرب ، وأخذت الأمور تتدحرج في الشارع البيروتي ففي أيار 1958 انطلقت الشرارة الأولى التي فجرت الصراع في لبنان عندما قام مجهول باغتيال الصحفي الناصري نسيب المتني الذي كانيمثل مصدر إزعاج كبير لشمعون .
ثم أسقط الرئيس كميل شمعون زعماء المسلمين وجميع المعارضين له في الإنتخابات النيابية التي جرت في ربيع العام 1958 رغبة منه في تجديد أنتخابه لرئاسة الجمهورية لولاية ثانية فقد سقط كل من صبري حمادة في البقاع ورشيد كرامي من مدينة طرابلس وكمال جنبلاط عن منطقة الشوف وأحمد الأسعد في الجنوب وصائب سلام وعبد الله اليافي وعدنان الحكيم وعبد الله المشنوق عن بيروت وغيرهم من المعارضين .
بلغ عدد الضحايا في حوادث العنف خلال الأسايع القليلة التالية لحادث الإغتيال أكثر من عشرين قتيلا في أنحاء متفرقة من البلاد وهكذا لم ينتصف عام 1958 حتى كانت المعارضة قد حشدت ضد شمعون ومؤيديه ولم يكن يومها قد مضى أكثر من شهر واحد على إندلاع نار الحرب الأهلية في البلاد .
طلب الرئيس شمعون من الولايات المتحدة الأمريكية أن تتدخل حسب مبدأ آيزينهاور الذي يتح لأمريكا مساعدة حلفائها عند الحاجة وكان الرئيس شمعون أول المؤيدين له …. وهنا أخبرالسفير الأمريكي الرئيس شمعون أن الأدلة على تدخل الجمهورية العربية المتحدة لم تكن مقنعة ولا حاسمة كما أن مراقبي الأمم المتحدة لم يعثروا على أي دليل لهذا الغرض ولهذا فإن دخول القوات الأمريكية في لبنان غير وارد البتة ، وهكذا فقد أصبح الرئيس شمعون مثبط الهمة مهيض الجانح وغدت فكرة التوصل الى تسوية للنزاع أكثر إحتمالا وأقرب منالا .
ولما كان كل من الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية العربية المتحدة تمثلان الطرفين الخارجيين اللذين لهما علاقة بالأزمة اللبنانية فلا مانع من اجتماع الطرفين وذلك للتوصل الى إتفاق على حل يفرضانه على اللبنانيين وكان هذا إقتراح قدمه عبد الناصر للسفير الأمريكي ريموند هيرد في القاهرة ثم أسهب الرئيس ناصر في شرح آرائه حول الأزمة اللبنانية لينتهي به الى القول : لو كانت الأزمة اللبنانية تخصه وحده دون سواه فإن ما يفعله هو تنصيب الجنرال فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية ورشيد كرامي رئيسا للوزراء .
كان الإنقلاب الذي حصل في العراق في 14 تموز 1958 قد قلب الوضع رأسا على عقب وبناء على هذاالحدث الهام الذي أضعف موقف كل من الملك حسين في الأردن والرئيس شمعون في لبنان وبناء على هذا قررت الولايات المتحدة أن للرئيس شمعون الحق في طلب المعونة العسكرية الأمريكية إستنادا الى نصوص مبدأ أيزنهاور وقدم الرئيس شمعون للأمر طلبا فوصل الأسطول الأمريكي في أقل من أربع وعشرين ساعة الى الشاطيء اللبناني في الأوزاعي وتدفق الجنود منه أفواجا وكان الناس على شواطئ بيروت الجميلة متممدين تحت أشعة الشمس .
في الوقت الذي كان السفير الأمريكي يريد أن يظهر الجنود الأمريكيين مدى وفاء الولايات المتحدة لإلتزاماتها تحت ظل مبدأ أيزنهاور ويركز على فكرة إنسحابهم عائدين حال إستيفاء العملية أغراضها بأقل خسائر ممكنة ، فإن الرئس شمعون كان يريد أن يقوم الجنود بغزو منطقة المسلمين في البسطة ليمشطوها من جميع عناصر المعارضة .
مكث جنود البحر ثلاثة أشهر في لبنان أنفقوا خلالها الملايين من الدولارات وبسهولة وطدوا العلاقات مع اللبنانيين ومن ثم قفلوا راجعين دون أن يطلقوا رصاصة واحدة .. وكثير من أولئك الذين عندهم أقل إلمام بتعقيدات الحالة اللبنانية ومضاعفاتها قدروا السفير الأمريكي حق قدره وعدّوا العملين من أبرز مآثره .
وأما على مسرح الأحداث في المنطقة فلقد جاءت نتائجها مطابقة لما كان الرئيس عبد الناصر يريده ويشتهيه حتى بدأوكأن جنود البحر جاؤوا الى لبنان لخدمة أهداف عبد الناصر ولتحقيق مآربه… فأولا : كان كلا من رئيس الجمهورية فؤاد شهاب ورئس الوزراء رشيد كرامي وهما الرجلان اللذان استلما دفة القيادة بعد إنتهاء الأحداث كانا نفس الرجلين اللذين أرادهما ناصر أن يكونا في هذين المنصبين وثانيا فقد استقر في نفوس الناس أن الثورة الوطنية على أنها ستبقى السلاح الفعال .
وعندما شارف عام 1958 على الإنتهاء كان جمال عبد الناصر قد بلغ الذروة من القوة أي امتلاك الفعالية العظمى في مجال الصراع مع الدول الكبرى لصالحه فقد امتد نفوذه ليس فقط على الجزء الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة بل الى لبنان والعراق والشارع العربي باجمعه .