” عبد الكريم الخطابي جيفارا العرب”/ محمد المشهداني، العراق/الشراع
119
الشراع 4 كانون ثاني 2023
او جيفارا بلاد المغرب العربي.
ولعل الاصح ان نقول ان غيفارا ستينات القرن العشرين هو خطابي مطلع هذا القرن السابق .
ويكفي ان نذكر ان وفداً من حركة فتح الفلسطينية ، توجه الى بيكين بعد بدء العمل الفدائي ضد العدو الصهيوني ، خصوصاً بعد الهزيمة العسكرية العربية امامه ، وان احد قيادات فتح قال لقيادي صيني : انهم جاؤوا يستلهمون تجربة حرب التحرير الشعبية ، التي خاضها ثوار الصين بقيادة ماو تسي تونغ ونجحوا في تسلم السلطة في اكثر بلاد الدنيا في عدد السكان ، فرد عليه القيادي الصيني بقوله : جئتم تستلهمون تجربتنا ، وعندكم في بلادكم تجربة الخطابي الذي استلهمنا منه حربنا الشعبية ؟
ذاع صيت الخطابي عالميا كمناضل وأسطورة سياسية وعسكرية لا تقهر وصل ذلك الصيت الثائر العالمي ” تشي جيفارا” الاسطورة الأرجنتيني الذي حاز شهرته بفضل تكتيكات ” حرب العصابات ” الذي استلهم من أسطورة الريف المغربي الذي وصفه الزعيم الصيني ماو تسي تونغ.
” بأنه أحد أكبر الملهمين الذي علمني كيف تكون حروب التحرير”
ولد محمد عبد الكريم الخطابي عام ١٨٨٣. نشأ في بيئة تملؤها الصراعات ، أنهى دراسته ثم عمل معلما ومترجما وصحافياً مع الإسبان ، ثم عينوه قاضي قضاة لتعاونه السياسي ، فسره هو وقتها ان الريف لم يحقق اي تقدم من دون الدعم الخارجي ، لكنه أدرك سوءهم وبدأ بانتقاد ممارساتهم الاستعمارية كصحافي ، ثم اعلن وقوفه بوجه كل المستعمرين وعزم على تأسيس جمهورية مستقلة في الريف ، فتم عزله من كل مناصبه و سجنه الاسبان ١١ شهرا قبل الإفراج عنه عام 1918 .انتهى شهر العسل بين الإسبان والريفيين الذين بدؤوا بتنظيم أنفسهم تحت قيادة والد الخطابي الذي توفي مسموما. حمل الخطابي راية والده وانتفضت قبائل الريف تحت قيادتة في عام 1921ليبدأ إحدى اذكى حروب العصابات ضد كل التقدم العسكري الإسباني حينها .كان الريفيون يشقون الانفاق والخنادق في بيئة الريف الوعرة ، و بأبسط الامكانات لينطلقوا منها لاستهداف الإسبان في كمائن سريعة ،يضربون ضرباتهم ثم يختفون مباشرة من دون أثر حرب ، حاصروا فيها المخيمات والنقاط العسكرية الإسبانية في تكتيكات نسخها جيفارا في كوبا بشكل كامل .
حقق الخطابي العبقري ومقاتلوه انتصارات سريعة ، لكنها لم تمثل شيئا يذكر مقارنة ب ” ملحمة انوال ” العسكرية .
في انوال واجه الخطابي ومقاتلوه جيش الإسبان الأفريقي فكانوا ثلاثة آلاف ريفي مغربي مقابل اكثر من عشرين الف مقاتل اسباني والنتيجة كانت مذهلة ،لقد تفوق المغاربة بهزيمة الإسبان. هزيمة دفعت قائد الجيش الإسباني ” مانويل سلفستري” للانتحار .
اما المقاومة فقد استمرت وتحرر الريف خلال عامين وأعلن الخطابي ” جمهورية الريف ” عام ١٩٢٣. الجمهورية المسلمة المستقلة الوحيدة .. حينها اثارت حفيظة وخوف الاحتلال الفرنسي الذي رأى في توسع نفوذ الخطابي تهديدا لهم ، فهاجموه بكل قوتهم عام 1924 متكبدين آلاف القتلى من جنودهم تحت وطأة براعة الخطابي ومقاتليه .. ولم يجد الفرنسيون مفرا لهم غير التحالف مع الإسبان و شكلوا معا قوة مشتركة قوامها ربع مليون جندي مدعومة بالطائرات ، كما استخدموا الأسلحة الكيماوية للمرة الأولى في العصر الحديث ، مستهدفين المدنيين والعائلات الريفية والأراضي الزراعية ليستطيعوا بسبب هذا الهجوم الضاري استعادة الأراضي التي فقدوها تدريجيا حتى وصلوا إلى الخطابي عام 1926 واسروه .
وعلى الرغم من أن فرنسا وإسبانيا انتصرتا عسكريا وبقوة حاسمة لكن الصيت العالمي كان حليف الريف الذي صمد في ملحمة مذهلة وكانت نهاية الثورة الريفية ملهمة لكبرى ثورات العصر الحديث ، في تكتيك حرب العصابات فصار بيت الخطابي في منفاه في مصر قبلة للثوار من كل أنحاء العالم.الى ان رحل عام 1963 في عصر جمال عبد الناصر الذي كان يستقبله دائما في حياته ، وبعد رحيله نظم له مأتماً يليق بمكانته كملهم لثوار افريقيا ضد الاستعمار ،تاركا وراه إرثا اكبر من مجرد ثورة مدرسة عسكرية فريدة وتجربة سياسية نادرة