يا رجال الدين حدثوا خطابكم / الشيخ الدكتور محمد النقري/الشراع
92
الشراع 21 كانون اول 2022
في يوم أمطَرْ، وفي منطقة معدل تساقط المطر فيها يتجاوز 320 يوم في السنة، دار حديث بيني وبين شاب،تبين لي بأن معيار ما تلقوه من الأنترنت يختلف اختلافاً جذرياً عن معيار المعلومة التي تلقيناها عن أهلنا ابتداء من الأجيال التي تعاقبت في التاريخ منذ آلاف السنين الى بداية جيل الأنترنت.
كنا في الأمس القريب نعيب على أولادنا استغراقهم في مشاهدة التلفزيون فأصبحنا نتمنى رؤيتهم “متحلقين” حولنا لمشاهدة شريط وثائقي أو نشرة أخبار أو حتى فيلم هادف. كل في غرفته أو على مكتبه أو سريره يتحدث أو يقرأ أو يثرثر مع أحد عبر الأنترنت. معيار شبابنا هو السرعة في كل شيء، لم تعد تستهويهم السرديات الطويلة ولا حتى تلقف كتاب من المكتبة لقراءته أو البحث فيه، فهم يريدون استلام المعلومة بسرعة، والقراءة بسرعة، والأكل بسرعة حتى الاستحمام بسرعة. كنا في الماضي نمضي سنوات العمر في كتابة الأبحاث وزيارة المكتبات والسفر الى البلاد للوقوف على مقال أو قصاصة ورق من صحيفة أو مرجع مهم، وأما هم فيكفيهم كبس كلمة منقوصة من معلومة غير مكتملة حتى تأتيهم عشرات الصفحات ومئات المعلومات.
إزاء اختلاف تلك المعايير، الرابح هو من يتأقلم مع عصر السرعة والتحرّي عن المعلومة السريعة، والخاسر هو الذي لا يتأقلم مع هذه المعايير، فلم يعد ينفع الخطاب الديني مثلاً عندما يكون زائفاً وقائماً على القصص والمرويات غير الموثقة. ولم يعد نافعاً استدرار العواطف ومرويات القصص عن بكاء الأتقياء الورعين الذي تخضل منه لحاهم وتشرحج به أصواتهم. على المتدينين ورجال الدين إعادة النظر في كثير مما دخل على الدين من شوائب، لا بد من نهضة واعية متزنة صادقة وجريئة وناطقة غير صامتة لإعادة الدين الى أصوليته وإلى منهجيته التي جاء بها الأنبياء ولم تشوهها عن قصد أو غير قصد آراء المتشددين أو المستهترين على حد سواء.
أكرر دائماً ما قاله الفيلسوف الفرنسي ووزير الثقافة في حكومة الجنرال ديغول اندريه مالرو: “القرن الواحد والعشرون إما أن يكون دينياً أو لا يكون”. فلا تجعلوا الدين من الذين سوف يفتقدهم ابناؤنا في هذا القرن.